المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آداب الحكماء والعلماء



الفهد البرونزى
13-07-2006, 12:18 AM
آداب الحكماء والعلماء

فضيلة الأدب أوصى بعضُ الحكماء بنيه فقال

: الأدب أكرم الجواهر طبيعةً، وأنْفسها قيمةً، يَرْفع الأحساب الوَضيعة، ويُفيد الرَّغائب الجليله، ويُعِز بلا عشيرة، ويُكثر الأنصار بغَيْر رزيَّة، فالبسوه حُلّة، وتَزَينُوه حِلْية، يُؤْنسكم في الوَحشة، ويجمع لكم القُلوب المختلفة.
ومن كلام علّي عليه السلام: فيما يُروى عنه أنه قال:
مَن حَلم ساد، ومن ساد استفاد، ومن استَحيا حُرم، ومن هاب خاب، ومَن طلب الرّآسة صَبر على السياسة؛ ومَن أبصر عَيْب نفسه عَمِيَ عن عَيب غيره، ومَن سلَّ سيف البَغْي قُتل به، ومن احتقر لأخيه بئراً وقَع فيها، ومَن نَسى زَلَّته استعظم زلّة غيره، ومن هَتَك حِجاب غيره اْنهتكت عورات بَيته، ومن كابر في الأمور عَطِب، ومن اقتحم اللُّجج غَرِق، ومن أعجب برأْيه ضَلَّ، ومن استغنى بعَقله زلَ
ومن تَجَبَّر على الناس ذَلَّ، ومن تَعمَّق في العَمَل مَلَّ؛ ومَن صاحَب الأنذال حُقِّر، ومن جالس العلماء وُقَر؛ ومن دَخل مَداخل السًوء اتُّهم؛ ومَن حَسَنُ خُلقه، سَهُلَت له طُرُقه؛ ومن حَسَّنَ كلامَه، كانت الْهَيْبة أمامَه؛ ومَن خَشي الله فاز؛ ومَن استقاد الجَهْل، تَرك طَرِيق العَدْل؛ ومَن عرف أجَله، قَصًر أمله؛ ثم أنشأ يقول:

البَسْ أخاك على عُيوبـه= واسْتُر وغَطِّ على ذُنوبه
واصبر على بَهْتِ السَّفِيهِ= وللزَّمان على خُطوبـه
ودَع الجوابَ تفـضـلاً= وكِل الظلومَ إلى حَسِيبه

وقال شَبِيب بن شَيبة:
اطلُبوا الأدب فإنّه مادًة للعَقْل؛ ودليل على المُروءة، وصاحب في الغُربة، ومُؤنس في الوَحشة، وحِلْية في المَجْلِس، "ويجمع لكم القلوب المختلفة".

وقال عبدُ الملك بن مَروان لبَنِيه:
عليكم بطلب الأدب فإنكم إن احتجتم إليه كان لكم مالاً، وإن اسْتَغنيتم عنه كان لكمٍ جمالاً.

وقال بعضُ الحكماء
: اعلم أن جاهاً بالمال إنما يَصْحبك ما صَحِبَكَ المال، وجاهاً بالأدب غيرُ زائل عنك.

وقال ابن المقفَّع:
إذا أكرمك الناسُ لمالٍ أو لسُلطانٍ فلا يُعْجِبك ذلك، فإنّ الكرامة تزُول بزوالهما، ولكن ليُعْجبك إذا أكرموك لدِين أو أدب.

وقال الأحْنَف بن قَيس

: رأسُ الأدب المَنْطِق، ولا خَيْر في قوْل إلاِّ بِفِعْل، ولا في مال إلا بجُود، ولا في صَدِيق إلا بوَفاء، ولا في فِقْه إلا بوَرَع، ولا في صدق إلا بِنيّه.

وقال مَصقلة الزُّبيريّ:

لا يَستغني الأديب عن ثلاثة واثنن؛ فأما الثلاثة: فالبلاغة والفصاحة وحُسن العِبارة، وأما الاثنان، فالعِلْم بالأثر والحِفْظ للخَبر.
وقالوا:
الحَسَب مُحتاجِ إلى الأدب، والمعرفة محتاجة إلى التَّجربة.

وقال بُزُرْجَمْهِر
ما ورَّث الآباءُ الابناءُ شيئاً خيراً من الأدب، لأنّ بالأدب يَكْسِبون المال، وبالجهل يُتْلفونه

وقال الفُضَيل بن عِياضِ
: رأسُ الأدب مَعْرِفة الرجل قَدْره.

وقالوا:
حُسْن الخُلق خيْر قَرِين، والأدب خير ميراث، والتَوفيق خير قَائد.
وقال سُفيان الثَّوريّ

: مَن عَرَف نفسَه لم يَضِرْه ما قال الناس فيه.

وقيل لبعض الحُكماء: أي أعون للعقل بعد الطٌبيعة المَولودة؟ قال: أدب مُكْتسب.


وقالوا: الأدب أدَبان:

أدبُ الغَريزة وهو الأصل، وأدب الرِّواية وهو الفرع، ولا يتفرَّع شيء إلا عن أصله، ولا يَنْمى الأصل إلا باتصال المادة.
وقال الشاعر:

"ولم أرَ فَرْعًا طال إلا بأصْله= ولم أرَ بَدْء العِلْم إلا تعلُّمـا

وقال حَبيب"
: وما السيفُ إلا زُبْرَةٌ لو تركـتَـه= على الحالة الأولى لما كان يَقْطعُ

وقال آخر
: ما وَهب اللهّ لامرىء هِبةً= أفضلَ من عَقْله ومن أَدبهْ
هُما حياةُ الفَتى فإن فًقِـدَا = فإنّ فَقْد الحَياة أحسنُ بـه


وقال ابن عبّاس:

كَفَاك من عِلْم الدِّين أن تَعْرف مالا يَسعك جهلُه، وكفاكَ من عِلْم الأدب أن تَرْوي الشاهد والمثاللَ.
قال ابن قُتيبة
: إِذا أردتَ أن تكون "عالماً فاطلب فَنّا واحداً؛ وإذ أردتَ أن" تكون أديباً فتفنَّن في العلوم.
وقالت الحُكماء
: إذا كان الرجل طاهرَ الأثواب، كثيرَ الآداب، حسنَ المذْهب، تأدَّب بأدبه وصَلُح لصلاحه جميع أهله وولده

. قال الشاعر

: رأيتُ صلاحَ الَمرْء يِصلح أهـلَـه= ويُفسدهم ربُّ الفَسـاد إذا فَـسَـدْ
يُعظَّم في الدنيا لِفَضل صَـلاحـه = وحْفَظ بعد الموت في الأهْل والوَلد

وسُئل ديُوجانِس:

أي الخِصال أحمدُ عاقبة؟ قال: الإيمانُ بالله عزّ وجلّ، وبرّ الوالدين، ومحبّة العُلماء، وقبولُ الأدب.
رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
مَن لا أدب له لا عقل له.

وقالو
ا: الأدب يَزيدُ العاقلَ فضلاً ونَباهة، ويُفيده رقّة وظَرفاً.

في رقة الأدب قال أبو بكر بن أبي شَيْبة: قيل للعبّاس بن عبد المطّلب: أنت أكبرُ أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو أكبر منّي وأنا أسنّ منه.

وقيل لأبي وائل: أيكما أكبر، أنتَ أم الرَّبيع بن خُثَيم؟ قال: أنا أكبر منه سنًا، وهو أكبر منّي عقلاً.

وقال أبان بنُ عثمان لطُويس المغنّى
: أنا أكبر أم أنت؟ قال: جُعلتُ فداك، لقد شَهِدْتُ زفاف أمك المُباركة "على أبيك الطيّب. انظر إلى حِذْقه ورقّة أدبه كيف لم يَقُل أمك الطيبة إلى أبيك المبارك".

وقيل لعُمر بن ذَرّ: كيف برّ ابنك بك؟ قال: ما مَشَيت نهاراً قطُّ إلا مشى خَلْفي، ولا ليلاً إلا مَشى أمامي، ولا رَقى عِلّية وأنا تحته.

ومن حديث عائشة، قالت:
ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبجل أحداً تبجيلَه لعمّه العباس.
وكان عمر وعثمان إذا لَقِيا العباس نَزلا إعظاماً له، إذا كانا راكبَين.

الرياشيّ عن الأصمعيّ

قال: قال هارون الرشيد لعبد الملك بن صالح: هذا منزلُك؟

وكذلك قول الحجَّاج للشعبيّ
: كم عَطاؤك؟ ومن قولنا في رقة الأدب: أَدبٌ كمثْل الماء لو أفرغتَه يوما لسال كما يَسيلُ الماءُ
أحمد بن بّي طاهر قال

: قلتُ لعليّ بن يحيى، ما رأيتُ أكملَ أدبا منك؛ قال: كيف لو رأيتَ إسحاق بن إبراهيم؟ فقلتُ ذلك لإسحاق بن إبراهيم؛ قال: كيف لو رأيتَ إبراهيم بن المهديّ؟ فقلتُ ذلك لإبراهيم؛ فقال: كيف لو رأيت جعفر بن يحيى؟


من كتاب العقد الفريد لابن عبدربة