المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البدوى شاعر الجبل... وجمال العربية



الفهد البرونزى
16-07-2006, 06:27 PM
جمال العربية
اعتزاز باللغة


كان العرب شديدي الاعتزاز بلغتهم الجميلة، حريصين كل الحرص على تقديرها ووضعها في أكرم منزلة وأحسن صورة. يتجلى هذا الحرص والاعتزاز في عنايتهم بجودة الإلقاء وحسن الحديث، وفي نفورهم من كل عيب يشوب النطق أو يشوه جمال التعبير.

يقول الشاعر الجاهلي سويد بن أبي كاهل واصفا حبيبته بحسن الحديث:




تسمع الحداث قولا حسنا لو أرادوا غيره لم يستمع






ويقول لبيد، وهو أيضا شاعر جاهلي:




كأن الشمول خالطت في كلامها جنيا من الرمان مرطبا وذابلا


.


والشمول هي الخمر الباردة، ويقال إنها سميت بهذا الاسم لأنها تجمع شمل شاربيها، أو لأنها تشمل على العقل فتملكه وتذهب به.

كما كان العرب يؤثرون من القول ما جاء وجيزا بليغا مركزا، ولذا نراهم ينفرون من فضول الكلام وحواشيه، واشتهر عنهم قولهم: خير الكلام ما قل ودل.

يقول شاعرهم:




تضع الحديث على مواضعه وكلامها من بعـده نـزر





ويقول آخر:




لها بشرة مثل الحريـر ومنطـق رخيم الحواشي، لا هراء ولا هذر






كما كانوا يحبون في الرجل قوة الصوت ووضوحه وجهارته،
وفي المرأة رقته وفخامته، ولذا مدحوا سعة الفم في الرجل وذموا ضيقه،

ووصفوا الخطيب الواسع الشدقين بالأشدق، وعابوا التشدق فيمن لم يوهب اتساع الفم ورحابة الشدقين. يقول شاعرهم في ذم خطيب:




تشادق حتى مال بالقول شدقـه وكل خطيب - لا أبالك - أشدق





ويقول:




مليء ببهر والتفـات وسعلـة ومسحة عثنون، وفتل الأصابع






ويقول النمر بن تولب:




أعذني رب من حصر وعي ومن نفس أعالجها علاجـا





والبهر هو انقطاع النفس - في الكلام - من الإعياء، والحصر: احتباسه، والعي: العجز عن الإبانة والوضوح، وكلها صفات مذمومة في المتحدث، بله الخطيب.

لذلك كله لم يكن غريبا على من يتمدحون بحسن الحديث وجودة الإلقاء أن يعتبروا القدرة على التعبير والخطابة نصف الشخصية الحقيقية للإنسان.

يقول الشاعر العربي:




لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والـدم







عربية أم أجنبية؟


من أطرف البحوث اللغوية التي شغلت علماءنا منذ سنوات، ووصلت أصداؤها إلى المجامع اللغوية العربية، معا يتصل بتنازع اللغات حول أصول بعض الكلمات الكثيرة الشيوع على الألسنة والأقلام، هناك من يقول إنها عربية الأصل وآخرون ينسبونها إلى لغات أجنبية، وأصول غير عربية

من هذه الكلمات كلمة "صوفي".

وهي صفة للرجل، المعروف بالزهد والتقشف والبعد عن الحياة الدنيا.

والذين يرون أن الكلمة عربية الأصل يقولون إنها منسوبة إلى لبس الصوف، الذي كان علامة على الورع والزهد، أو منسوبة إلى الصفة التي كانت في المسجد النبوي على زمن الرسول الكريم، أو إنها من الصفاء بمعنى صفاء القلب من كدر العالم.

لكن هناك من يرون أنها يونانية الأصل، وأنها مشتقة من كلمة صوفيا بمعنى الحكمة، كما أن كلمة فيلسوف من " فيلاصوفيا " بمعنى سحب الحكمة.

وكلمة "القاني" من الألفاظ العربية المؤكدة للألوان، وهي تؤكد اللون الأحمر،

يقال: أحمر قان، كما يقال: سود حالك وأصفر فاقع وأبيض ناصع، هكذا يقول العرب،

فالكلمة عندهم عربية فصيحة لا شبهة فيها، لكن هناك من يرى أنها تركية الأصل نسبة إلى " قان " بمعنى الدم في التركية، فأحمر قان هي بمعنى أحمر دموي طبقا لهذا التفسير،

بينما يقول المحتجون لعروبة الكلمة إن " قاني " مشتقة من القنوء بمعنى الحمرة، يقول العرب: لحية قانية أي حمراء، وقنأ لحيته وقناها: إذا خضبها بالحناء فأصبحت حمراء. ثم يقولون إن الكلمة التركية " قان " بمعنى الدم مأخوذة من " قاني " العربية.

وهناك من يقول إن كلمة " قارة " بمعنى المساحة الكبيرة من سطح الكرة الأرضية هي لفظ عربي أصيل من الفعل: قر، بمعنى ثبت واستقر.

يقول آخرون: بل هي لفظة تركية أصلها "قرة" بمعنى الأرض اليابسة، وإن العرب قد أخذوا "قارة" من التركية كما أخذوا كلمة "بوغاز" اسما للمضيق بين بحرين، من التركية أيضا، وأصل معنى البوغاز في التركية: الحلق والحلقوم.

كذلك كلمة "قهوة" التي سمي بها حب البن المعروف مأخوذة من اسم " القهوة " التي معناها في اللغة العربية الخمرة، اشتقها العرب من فعل: أقهى يقهي، أي ذهب بشهوة الطعام. والخمرة والبن لهما هذا التأثير على شهية الإنسان ودرجة تقبله للطعام.

والأعشى يقول في معلقته:




و "قهوة" مزة راووقها خضل



يقصد بالقهوة: الخمر.

لكن هناك من يرى أن القهوة كلمة حبشية أخذ اسمها من كلمة " كفا " وهي اسم لولاية من ولايات الحبشة هي موطن البن الأصلي، والفرنسيون يسمون القهوة "Cafe" باسم موطنها الأصلي.

كما حدث هذا التنازع بالنسبة لاسم "سارة" زوجة إبراهيم الخليل، فالبعض يرى أنه اسم عربي مخفف الراء من كلمة سارة وهي اسم فاعل من السرور، أي أن المسماة بسارة تسر القلوب. وآخرون يرون أنها كلمة عبرية الأصل بمعنى السيدة أو الأميرة، ومنها كلمة Soeur الفرنسية بمعنى أخت، وكلمة سير "Sir " أحد ألقاب الشرف في اللغة الإنجليزية.

وهي جميعا أمثلة ونماذج لهذا الصراع والتنازع بين اللغات حول أصول بعض الكلمات والمفردات: عربية هي أم غير عربية.

ترى - ما رأي القارئ في هذا الصراع الطريف؟

"
أتسألين عن الخمسين"
للشاعر: بدوي الجبل

يذكرنا شعر الشاعر العربي من سوريا بدوي الجبل، بفحول الشعر العربي إبان عصور ازدهاره وتألقه: لغة وتدفق طبع وافتتان تعبير.

في شعره لفح شعر المتنبي وتوهجه،
وفيه إحكام أبي تمام وبراعة فنه وصنعته،
وفيه سلاسة البحتري وموسيقاه وانسيابيته،
في مزاج مرهف، غذته طبيعة الشام الآسرة،

وسكبت فيه صورها البديعة اللافتة، فاكتمل له نسيج متفرد بين شعراء عمره بوجه عام، وشعراء سوريا بوجه خاص.

ولد محمد سليمان الأحمد - الذي عرفه القراء باسمه المستعار بدوي الجبل الذي اتخذه لنفسه في مستهل حياته الأدبية - في إحدى قرى محافظة اللاذقية عام 1905،

وتتلمذ على يدي أبيه العالم اللغوي والفقيه الديني سليمان الأحمد، ثم أتم دراسته في حماة، حيث تفتحت مواهبه وشد إليه اهتمام الناس، الذين بهرهم شغفه بحفظ الشعر وروايته وإقباله على كتب اللغة والأدب، وإبداعه الشعري المبكر، المؤذن بالنبوغ والتفوق.

وفي عام 1925 نشر بدوي الجبل ديوانه الأول، فاستقبله كبار شعراء عصره بالاهتمام والتقدير، وكتب عنه الأخطل الصغير: بشارة الخوري، وخليل مردم ومحمد كرد علي وعبد القادر المغربي وآخرون من أعلام الأدب والبيان.

وانتهت رحلة الشاعر مع الحياة عام 1980 في دمشق، مخلفا ثروة شعرية ضخمة، وتأثيرا عميقا في الشعراء من بعده.

والقصيدة التي نعرضها من شعره، هي إحدى روائعه الحافلة بأسرار فنه وشاعريته، في مسحة من الشجن الشفيف واللوعة الحارة، حركها في نفسه سؤال ملهمته عن سن الخمسين التي بلغها وما فعلت به، وفجر السؤال ما كتمه الشاعر طويلا فباح، مصارحا ومواجها غير وجل ولا هياب، وليكن بعد ذلك ما يكون! يقول بدوي الجبل:



تأنق الدوح يرضي بلبـلا غـردا مـن جنـة الله، قلبانـا جناحـاه


يطير ما انسجما، حتى إذا اختلفـا هوى، ولم تغن عن يسراه يمنـاه


الخافقـان معـا، فالنجـم أيكه مـاوسدرة المنتهى والحـب أشبـاه


غمرت قلبـي بأسـرار معطـرة والحـب أملكـه للـروح أخفـاه


وما امتحنـت خفايـاه لأجلوهـا ولا تمنيـت أن تجلـى خفـايـاه


الخافيان وفـوق العقـل سرهمـا كلاهمـا للغيـوب: الـحـب والله


كلاهما انسكبـت فيـه سرائرنـا ومـا شهدنـاه، لكنـا عبـدنـاه


حمنا مع العطر ورادا على شفـة فلـم نغـر منـه لكنـا أغرنـاه


تهدلت بالجنى المعسول، واكتنزت والثغـر أملـؤه للثغـر أشـهـاه


نعب منـه بـلا رفـق ويظمئنـا فنحن أصدى إليه مـا ارتشفنـاه


لم تعرف الحور أشهى من سلاف تنارف الهجير نـدى لمـا سقينـاه


مدله فيك، مـا صبـح ونجمتـه موله فيـك، مـا قيـس وليـلاه


من كان يسكب عينيـه ونورهمـا لتستحـم رؤاك السمـر لــولاه


سما بحسنك عن شكـواه تكرمـه وراح يسمو عن الدنيـا بشكـواه


***

أتسألين عن الخمسين ما فعلـت؟ يبلى الشباب ولا تبلـى سجايـاه


في القلب كنز شباب لا نفـاد لـه يعطي ويزداد ما ازدادت عطايـاه


فما انطوى واحد من زهو صبوته إلا تفجـر ألـف فـي حنـايـاه


يبقى الشباب نديـا فـي شمائلـه فلم يشب قلبـه إن شـاب فـوداه


تزيـن الـورد ألوانـا ليفتنـنـا أيحلـف الـورد أنامـا فتـنـاه


صادي الجوانح في مطلول أيكتـه فما ارتوى بالندى حتـى قطفنـاه


هـذا السـلاف أدام الله سكرتـه من الشفاه البخيـلات اعتصرنـاه


جل الذي خلـق الدنيـا وزينهـا بالشعر، أصفى المصفى من مزاياه


***

يا من سقانا كئوس الهجر مترعة بكى بساط الهـوى لمـا طوينـاه


إن كان يذكر أو ينسى فلا سلمـت عيني ولا كبدي، إن كنت أنسـاه


يحـب قلبـي خبايـاه ويعبـدهـا إذا تبـرأ قلـب مــن خبـايـاه


طفولة الروح أغلى مـا أدل بـه والحب أعنفـه عنـدي وأوفـاه


قلبي الذي لـون الدنيـا بجذوتـه أحلى من النور نعمـاه وبؤسـاه


لم يرده ألف جرح مـن فواجعـه حتى أصيـب بسهـم منـك أرداه


إن نحمل الحزن لا شكوى ولا ملل غدر الأحبة حـزن مـا احتملنـاه


قد هان حتى سمت عنه ضغينتنـا فما حقدنـا عليـه بـل رحمنـاه


يرضيه أن يتشفى مـن مدامعنـا لـم نبـك منـه ولكنـا بكيـنـاه


حسب الأحبة ذلا عـار غدرهمـو وحسبنـا عـزة أنـا غفـرنـاه!


صحا الفؤاد الـذي قطعتـه مزقـا حرى الجـراح ولملمنـا بقايـاه!



فاروق شوشة