المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : متى نخرج من العزلة!؟



الفهد البرونزى
19-07-2006, 11:03 AM
متى نخرج من العزلة!؟


دائما نكرر لماذا الآخرون يكرهوننا؟
لماذا الغرب يحقد علينا؟
وقلما نسأل لماذا نكره الآخرين، أو لماذا نحقد على الغرب!؟
ويمكن صوغ السؤال بالمقلوب على اليمين الأمريكي المتطرف...

وإذا كنا نطالب الغرب بحسن فهمنا فكرياً واجتماعياً بطريقة موضوعية دون أحكام مسبقة أو أنماط مقولبة أو الاعتماد على أحداث سطحية

فإنه من الطبيعي أن نعمل على الفهم الموضوعي تجاه الغرب، قبل الحكم الجزافي عليه أو التعميم التبسطي، ولا نكتفي بالظواهر السطحية لأعماله
بل نحاول معرفة الأسس الحضارية لهذه الأعمال وإدارك مسارات أعماله الجوهرية وسياقاتها المترابطة.

لعله من تحصيل الحاصل الإشارة إلى أن العالم يشهد انفتاحا في التعامل بين الدول أكثر من أي حقبة مضت.. إنه ببساطة عصر العولمة، حيث أصبحت الاستفادة المتبادلة بين الدول سمة أساسية، والانفتاح على الآخر أحد أهم عوامل النجاح في التعامل بين الدول.

وذلك الانفتاح يؤسس على الوعي بأن الآخر موجود وحي مثلنا تماماً وعلينا فهمه وفهم قيمه وفقا لمنظومة القيم المحيطة به ثم التعامل معه وفقا لهذا الوعي. لذا كان جهاد المملكة لسنوات من أجل الانضمام لمنظمة التجارة العالمية الذي تم باحتفالية قبل أسبوعين

ولذا كان من الأهداف الرئيسية لمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني هو تعزيز قنوات الاتصال والحوار الفكري مع الخارج. وتحت شعار: "نحن والآخر: رؤية وطنية مشتركة للتعامل مع الثقافات العالمية"، انتهت الأسبوع قبل الماضي المرحلة الثالثة والأخيرة من اللقاءات الحوارية التحضيرية للقاء الوطني الخامس للحوار الوطني

وخلال تلك اللقاءات التحضيرية أعلنت كثير من التوصيات التنويرية المنفتحة على الآخر مثل وضع استراتيجية للتعاون الدولي في مجالات الثقافة، وتأهيل المشاركين للحوار، وتشجيع الزيارات الطلابية المتبادلة مع زيادة المنح والبعثات الدراسية، وإجراء دراسات لمعرفة أسباب التوتر مع الآخر، وإقامة مركز علمي لتحرير مفاهيم العلاقة مع الآخر.. إلخ.

ورغم ذلك فقد ظهرت مجموعات تزعم أنها تقبل الحوار ملحقة بـ "لكن"، أو تضع شروطاً للحوار، وكأنها في ساحة معركة وليست في ساحة ثقافية فكرية،

ومن هؤلاء أيضا من يبالغ في الشعور بتفوق الذات وانتقاص الآخر أو تجريمه وتبرئة الـ"نحن"، مما يناقض أبجديات الحوار. المشكلة في هذه المجموعات أنها ذات خطابية رنانة لها جاذبية جماهيرية من خلال إنشائية بلاغية تدغدغ العواطف تلبس الدين حينا وترتدي العروبة حينا آخر، باللعب على وتر الخصوصية المبالغ فيها، لكنها لا تعطي ثمرا ولا برامج عمل ولا تطرح رؤى مستقبلية بل تكشف عن هوية مأزومة أسيرة للماضي وللشعارات العاطفية المنكفئة على تمجيد الذات وازدراء الآخر.


أول ما يمكنني ملاحظته من الأساليب التي تشوه حوارنا وفهمنا للآخر هو عدم الاطلاع على أعماله الفكرية الأصلية، و/أو النقل من خصومه أو مناصرينا؛ حيث يكتفي غالبية كتابنا بنقل آراء ثقاتهم أو مناصريهم التي تقدح في أفكار الآخر دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الاطلاع على المصادر الأصلية ومنابع هذه الأفكار وسياقها التاريخي!. ويتبع تلك الانتقائية في النقل الاستشهاد بأقوال أفراد قلة ينتمون للآخر أو يعيشون بين كنفاته ويتهمونه أو يدينونه بطرق حادة. هذا الاستشهاد يأتي على طريقة شهد شاهد من أهلها!! وكثيراً ما يستخدم كتابنا المسكونون بحمى الارتياب (البرانويا)

من الآخر أسلوب الاستشهاد هذا من كتب الغرب أو مقالاته. ورغم أن مثل هذا الاستشهاد له قيمة معرفية لا تنكر في فهم الآخر، إلا أنه لا يُعوَّل عليه كثيراً بمعزل عن الاستشهاد بنصوص وقناعات التيارات الرئيسية لدى الآخر. فهؤلاء القلة لا يمثلون تيارات أساسية في مجتمعات الآخر، ومن ثم فإن لهم رؤيتهم أو مواقفهم الخاصة من الأحداث والوقائع. وحتى في بعض الحالات التي تصدر بها التهم من فئات أو شخصيات عامة وذات ثقل كبير في مجتمعات الآخر فإن الأمر لا يخلو من تداعيات أو إرهاصات صراع داخلي (مثل قرب الانتخابات) تخص مجتمعات الآخر، تفيد في فهم طبيعة التنوع أو التحوُّل في تلك المجتمعات أكثر من فائدتها في إثبات صحة الاتهامات الموجهة للآخر.
الانتقائية في النقل الفكري والنظري عن ومن الآخر تقود إلى الانتقائية في الواقع المعاش عبر التقاط الأمثلة الواقعية السيئة النادرة وتعميمها أو اعتبارها نموذجاً للآخر.

وعندما تتحول طريقة تعاملنا مع الآخر إلى رصد أخطائه واصطياد مثالبه دون غيرها فإننا لن نتمكن من فهم أفكاره ومنطلقاته وأهدافه في سياقها الطبيعي. ويلتحم تعميم الأمثلة السيئة مع محاكمة الآخر حضاريا وفقاً لمعاييرنا الأخلاقية وليس لمعاييره، وهذا تحكيم يفتقد الموضوعية. وبهذا تكون المقارنة الموضوعية العادلة، أن نحتكم إلى القيم المشتركة، التي تنادي بها المنظومات الأخلاقية عندنا وعند الآخر..


وفي تقديري أن أهم معوق لحوارنا مع الآخر وبالتالي تشويهه يتأسس من التحجر الثقافي والانغلاق الاجتماعي الذي تعاني منه مجتمعاتنا العربية. بدءاً من البيت (العائلة الأبوية) والمدرسة، ومروراً بالخطاب الفكري والديني وانتهاء بالسياسة والأدب.

. نعاني من الصغر حتى المشيب من ثقافة الإجماع "القبلية"، التي لا تقبل الحوار إلا بهدف التأييد المتبادل مع إلغاء الاختلاف بإقصائه أو سحقه، والازدراء بالابتكار والتجديد. إذا لم نواجه هذا المعوق باعتباره إشكالية تنبع من ذواتنا، من داخلنا، قبل الآخر، وإذا كنا نرى أن الحوار هو مجرد إقناع الآخر لصالحنا، فهذا تأسيس خاطئ للحوار ولن يكون له جدوى سوى المهاترات واللعب بالشعارات العاطفية.


هنا يأتي دور النخبة (الثقافية والسياسية) في تبيان أن الحوار ليس شعاراً فقط، وليس الهدف منه تطييب الخواطر وتمشية الحال.. بل طرح المعاني الجوهرية التي قد تبدو محرجة ومخالفة للمعتاد أو المألوف، سواء من أهداف الحوار، أو من توضيح الأساليب وآليات التنفيذ، ومن استخلاص النتائج، واقتراح التوصيات. وأؤكِّد على مخالفتها للمعتاد، لأن هذا المعتاد هو البيئة التي أودت بنا فيما نحن فيه من أزمات مرعبة.

نحن في حاجة ماسة للخروج من عزلتنا الثقافية والاجتماعية والتخفيف من غلواء المبالغة في الخصوصية.. فلن يجدي فهم معادلة "نحن والآخر"

إذا كانت غايتها المسبقة تبرئة الذات وإدانة الآخر.. فتلك أفضل وصفة للتأزم مع النفس والآخرين. الهدف من الحوار هو فهم طريقة تفكير الآخرين وقناعاتهم وتطبيقاتهم من خلال واقع حالهم الفعلي وليس من خلال تصوراتنا المشحونة بالعاطفة ولا التركيز على أخطاء الآخر فقط.. فليس من الحكمة عندما نتعرض لأزمة حادة في علاقاتنا الخارجية أن يلقي مفكرونا تهماً جاهزة توجه نحو الآخر وحده! ربما يكون هذا من أدوار السياسة وطبيعتها للدفاع عن المصالح المباشرة، ولكنه لا ينبغي أن يكون من أدوار المفكرين والمثقفين الذين يقومون بمهمة التنوير المنصف والدفاع عن المصالح بعيدة المدى وإعلاء القيم الإنسانية النبيلة.



عبدالرحمن الحبيب*
*كاتب سعودي