مشاهدة النسخة كاملة : هام((فقة الخلاف)) هام
الفهد البرونزى
19-07-2006, 03:31 PM
فقه الخلاف
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد الله رب العالمين ،والصلاة والسلام على الهادي الأمين 0 وبعد : إنه مازال الخلاف بين الدعاة من أعظم المزالق وأخطر المصائب التي تصيب المسلمين في مقتل
وما ذلك إلا بسبب البعد عن توجيه الشرع من كثير من نواحي الحياة ومنها هذا الجانب0
ورغبة في الإسهام في سد هذه الثغرة ، ورتق هذا الفتق، كتبت هذا الموضوع
[ فقه الخلاف ]
رجاء ثواب من الله ، ودعوة صادقة من أخ صالح في ظهر الغيب 0
{ إنْ أُرِيدُ إلا الإِصلَاحَ مَا استَطَعتُ وَمَا تَوفِيقِي إلا بِاللهِ } ] هود : 88 [
والله أعلم0
تأليف :د.عوض محمد القرني
الفصل الأول
أقسام المسائل
· أقسام المسائل 0
· المنهج العلمي في التعامل مع المسائل الخلافية0
1- نقل أقوال المختلفين نقلاً دقيقاً0
2- تحرير محل النزاع تحريراً دقيقاً0
3- معرفة أدلة كل قول0
4- البحث عن وجه الاستدلال من كل دليل0
5- الاطلاع على اعتراض أصحاب كل قول 0
6- معرفة الإجابة على هذه الاعتراضات 0
7- معرفة سبب الخلاف 0
8- معرفة ثمرة الخلاف 0
9- الترجيح بين الأقوال لمعرفة الصواب من سواه0
أقسام المسائل
المسائل الشرعية وتطبيقاتها في الحياة تنقسم من خلال النظر الشرعي إلى قسمين :
1- مسائل الإجماع 0
2- مسائل الخلاف0
مسائل الإجماع:
وهي القضايا التي انعقد إجماع علماء الأمة المجتهدين عليها في أي عصر من العصور ، فارتفعت عن الخلاف ، ولم يعد لمن جاء بعد أهل الإجماع إلا الموافقة والاتباع .
والإجماع الشرعي القطعي الصحيح
دليل يجب المصير إليه والاعتماد عليه ، ولا يجوز مخالفته بحال من الأحوال ؛ إذ جعل الله سبحانه وتعالى في اجتماع الأمة على أمر من الأمور عصمة ، كما جعلها في الوحي المنزل من كتاب أو سنة فضلاً منه وكرماً0
قال تعالى: { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُول مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الُهَدى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيِل المُؤمِنِين نُولِّهِ مَا تَولَّى ونُصلِهِ جَهَنَّمَ وسَاءَت مَصِيراً}]النساء : 115[
وقد تحدث علماؤنا عن هذا القسم من المسائل في كتبهم تأصيلاً وتفريعاً ، أو تنظيراً وتطبيقاً ، فتحدثوا عنها تأصيلاً وتنظيراً في كتب أصول الفقه
فعرفوا الإجماع وبينوا شروطه ، ومن هم أهله ، وما هي أقسامه ، وما هو الحجة من هذه الأقسام، وما هو الذي لا يعتد به ، ومراتب المحتج به منه إلى غير ذلك من المسائل 0
وتحدثوا عن تطبيقاته وفروعه ، وحصروا مسائله في كتب الفقه ، إما في كتب الفقه العام ، أو في كتب خاصة بمسائل الإجماع،كما فعل ابن المنذر (1) وابن حزم وابن تيمية رحمهم الله (2)،
مسائل الخلاف :
وهي كل مسألة لم ينعقد الإجماع عليها ، وهي تنقسم إلى قسمين :
1- قسم منها الخلاف فيه سائغ :
وله أسبابه الشرعية التي إذا روعيت آدابها وضوابطها الشرعية لم يترتب عليها محذور ، وكان المختلفون في عبادة الله جميعاً، ولكنهم ما بين مفضول وفاضل ، المخطئ له أجر ، والمصيب له أجران (2) ،وهذا القسم لايمكن دفعه ولا رفعه ،ولا تكلف أمة بذلك 0
2- والقسم الآخر هو مالم يكن الخلاف فيه سائغاً:
وذلك لقيامه على أسباب غير مشروعة ولا محمودة ،وهذا القسم هو الذي يطلب المؤمنين رفعة،والابتعاد عنه ،وعدم إتيانه ،والسعي باستمرار لتجاوزه
وهو الذي بسببه في الغالب تقع الانقسامات والاختلافات المذمومة بين الأمة0
وقد أصل علماؤنا -عليهم رحمة الله – منهجاً علمياً ذقيقاً مستنبطاً من الكتب والسنة،يتعامل به طالب العلم والباحث عن الحق مع المسائل الخلافية ليتجاوز السلبيات ويحقق الإيجابيات
أي ليصل إلى الحق أو على الأقل لا يقصر في طلبه ،فيسلم من الإثم ويحصِّل بإذن الله الأجر الواحد على أقل الأحوال0
خطوات المنهج العلمي
الذي يتعامل به مع المسائل الخلافية
يتلخص المنهج العلمي في التعامل في المسائل الخلافية مع القواعد التالية:1-نقل أقوال المختلفين نقلاً دقيقاً أميناً بلا زيادة ولا نقصان:
لأنها شهادة منك عليهم بأنهم قالوا كذا وكذا،والشاهد لابد أن يكون مثبتاً مما يقول ،باذلاً لجهده ومستفرغاً لوسعه في أن لا ينسب إلى الناس أمراً لم يصدر منهم ،وإلا لكان شاهد زور أو مغفلاً لا تقبل شهادته 0
فلا يكفي أن تنسب قولاً إلى عالم أو داعية أو جماعة أو مذهب لأن فلاناً قد نسبه إليهم،أو لأن الصحافة العالمية تحدثت عنهم بذلك ،أو لأن وسائل الإعلام العالمية وسمتهم ونبزهم بذلك القول ،ولا يجوز أن تنسب قولاً للحنابلة لأن مؤلفاً حنفياً نسبه إليهم ،هذه كتب الحنابلة وهؤلاء علماؤهم يمكنك الرجوع إليهم ، وهكذا0
بل لا يجوز أن ننسب هذا القول لجماعة أو طائفة من الناس لأن منتسباً إليهم قال بهذا القول ، ما لم تتأكد أنهم جميعاً مطبقون على هذا الأمر ، وإلا فالعدل والإنصاف يقتضي أن تقول : قال فلان من مذهب كذا أو من طائفة كذا هذا القول 0
ثم كذلك ينبغي التثبت من أنه لا يوجد له في هذه المسألة إلا هذا القول ،فإن كان له غيره بحثت عن المتأخر منهما ونسبته إليه ،فإن جهلت المتأخر بحثت في بقية كلامه ما يرجح أحد القولين،أو توقفت في نسبه قول إليه،فإن كان القول مجملاً أو محتملاً بحثت عن بيانه وتفصيله في كلامه وكتاباته الأخرى ، ولا يجوز لك أن تقول ، إن قوله أسوأ الاحتمالات بل الأصل حسن الظن بالمسلم 0
ولتتذكر وأنت تنسب إلى الآخرين أقوالهم أنك سوف تقف بين يدي الله سبحانه وتعالى ،وسيحاسبك وسيقاضونك على ما نسبت إليهم ،فأعدّ للسؤال جواباً،واجمع له أدلة وبراهين ، وتذكر قول الحق سبحانه وتعالى
: { مَّا يَلفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيٌد}[ق:18]0
وكم سمعنا من قول ينسب ،أو خبر ينقل ، وإذا سألت الناقل للقول أو للخبر :من أين لك هذا ؟
قال : حدثني الثقة – أي من أثق به – وإذا بحثت في حال هذا الثقة بمنهج علمائنا الأوائل
وإن أحسن أحواله أنه مجهول الحال ،هذا إن لم يكن ممن لا تجوز عنه الرواية لأسباب قد يكون من ألصقها به فعله لكبيرة الغيبة ،فكيف إذا أضاف إليها الكذب ، فالله المستعان0
2-تحرير محل النزاع تحريراً دقيقاً:
وهذا يأتي بعد الخطوة السابقة ،فبعد أن تنقل الأقوال وتعرف ،ينظر فيها ليحدد موطن الخلاف ،لأن كثيراً من الناس ينصبون الخلاف حيث لا خلاف ،بأن تكون الأقوال وردت على موارد مختلفة ،وأريد بها أمور متباينة، وما أريد بها أمر واحد وقع الخلاف فيه0
وقد يكون الخلاف في جزئية معينة فيعديه بعض الناس إلى جزئيات أخرى ومواطن أخرى ،ويوسع دائرته حيث كان يجب أن يسعى لتضيق دائرته0
فلا بد من التأكد من أن هؤلاء المختلفين قد انصب اختلافهم على جزئية واحدة ،من جهة واحدة،وأنهم يتصورونها تصوراً كاملاً ،وأنهم يتحدثون عنها من خلال ظروف واحدة ،حتى يمكنك أن تنسب إليهم حينئذ أنهم يختلفون 0
والمطالع لكتب أسلافنا يجد العجب العجاب من حرصهم على هذه القضية ولهجهم بها في كتب الأصول،وفي كتب الفقه والخلاف ،بل حتى في كتب العقائد ،فكم من مسألة أغلقوا باب الخلاف فيها بقولهم :
هذا في غير محل النزاع ،أو قالوا :وتحرير محل النزاع غير هذا 0
فالواجب على طالب العلم الحريص على دينه وبراءة ذمته من المسؤولية والتبعات أن يدقق ويفتش ويبحث ويستقصي قبل أن ينسب إلى علماء الأمة ودعاتها الخلاف في أمر من الأمور0
يتبع
الفهد البرونزى
19-07-2006, 03:41 PM
3- معرفة أدلة كل قول :
إذ الأصل في علماء الإسلام ودعاته ورجاله أنهم لا يختلفون رغبة في الاختلاف ، ولاحباً
في النزاع ،ولا يكون دافعهم الهوى ولا الشهوة ،وإنما بحثاً عن الحق ورغبة في رضوان الله ،وحينئذ فلا بد أن يكون لكل صاحب قول ،أو لكل أهل مذهب دليل يستدلون بها0
هل هذه الأدلة صحيحة أو غير صحيحة ؟
هل أنت تقول بهذه الأدلة أو لا تقول بها ؟
هذه قضية أخرى ،إنما المهم أن تعرف أدلته التي يستدل بها ،ولا يجوز لك أن تأخذ أدلة القول أو المذهب أو الجماعة من خصومهم وممن يخالفهم ما دام يمكنك معرفة أدلتهم منهم مباشرة ،إما مشافهة ،وإما من كتبهم ،وإما بمراسلتهم ،وإما من خلال نقل الثقات من تلاميذهم ،وهذه الأدلة ترتب :
الكتاب فالسنة فالإجماع فالقياس فالمصلحة فالاستصحاب ، وهكذا ،فما ذكر أهل العلم أنه دليل يستدل به ،سواء كان مما اتفق على الاستدلال به،أو مما اختلف فيه0
ثم تسلك مع الأقوال الأخرى في المسألة المسلك نفسه في معرفة أدلتهم بالرجوع إليهم وإلى أقوالهم وآثارهم 0
ومما يذكر من إنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن المخالفين له كانوا يحضرون حلقته ودروسه ليستفيدوا من ذكره لأدلتهم وتقريره لها قبل الرد على أقوالهم
،حيث أنه يستقصي في ذلك ويتوسع ويذكر أحيانا للقول من الأدلة ما لم يذكره صاحب القول نفسه وهذا غاية العدل والإنصاف والتجرد في البحث عن الحق والتجرد عنه0
4-البحث عن وجه الاستدلال من كل دليل قال به كل صاحب قول في المسألة موضع بحث:
لأنه لو لم يكن في الدليل دلالة على هذا القول أو هذا المذهب في المسألة عند من قال به،لما كان لإيراد الدليل معنى0
وقد يكون في الدليل الواحد أكثر من وجه للاستدلال،بل قد يتفق المذهبان أو القولان في إيراد الدليل لكنهم يختلفون في وجه الدلالة ،كما في استدلال من يقول :بأن العدة بالأطهار،ومن يقول ،بأن العدة بالحيض بقوله تعالى : {وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228]
فهم يتفقون في الدليل،لكنهم يختلفون في وجه الدلالة ،أي في المراد من هذا الدليل 0
فإذا تم استيفاء جميع أوجه الدلالة في جميع الأدلة بجميع المذاهب انتقل إلى الخطوة الأخرى، وهي :
5-الاطلاع على اعتراض أصحاب كل قول أو مذهب على أدلة القول أو المذهب الآخر ،أو الاعتراض على وجه الدلالة:
لأن الاعتراض إما أن يكون على الدليل ، وإما أن يكون على وجه الدلالة إذا كان الجميع يسلمون بالدليل،ويكون البحث عن هذه الاعتراضات بنفس الطريقة التي تم البحث بها عن الأقوال والأدلة في الخطوات السابقة،إذ لو كان يُسلِّم بأدلة وأوجه الدلالة للقول الآخر لما خالفه أصلاً0
6- معرفة الإجابةعلى هذه الاعتراضات :
إذ لا شك أنه لو كان أحد الفريقين يسلّم باعتراضات الفريق الآخر لارتفع الخلاف ،ولكان له ولاشك إجابات على تلك الاعتراضات ،فلا بد من معرفة هذه الإجابات 0وقد يجيب على الاعتراض الواحد بأكثر من إجابة ،وقد يجيب عن عدة اعتراضات بإجابة واحدة ،فلا بد من معرفة ذلك واستقصائه0
7- معرفة سبب الخلاف :
والأسباب منها سائغ جائز في الشرع ،لا يمكن دفعه في الواقع ،ولا ذم في وجوده ،ومنها
أسباب مذمومة مرذولة ، أُمر المسلمون باجتنابها ،ولا يعذر من كان خلافه مبنياً عليها،ودراسة هذه الأسباب ومعرفتها ،وما يلزمها من آداب وضوابط، والمشروع منها وغير المشروع ،هو موضوع هذه الرسالة بشكل مختصر وموجز بإذن الله 0
8- معرفة ثمرة الخلاف:
فإن كان له أثر اعتنى به ،وإن لم يكن له أثر أعرض عنه،أي إذا أخذنا بهذا القول فهل يختلف الأمر عما إذا أخذنا بغيره،أم أن الخلاف لفظي ،وهو ما كان يعرض عنه أهل العلم قبل عصور الجمود 0
لأن أمة الإسلام أمة لا تقبل الترف في فكرها،ولا في اقتصادها ،ولا في حياتها الاجتماعية ،لأنها أمة رسالة،لا أمة عبث ولهو ولغو،وأمة هذا شأنها لا تختلف وتشغل حياتها بما ليس له أثر عملي
فإن كان الخلاف له أثر في الاعتقادات أو العبادات ،أو المعاملات وجب العناية به،وإن كان لا يترتب على هذا الخلاف عمل فينبغي الإعراض عنه وعدم الاشتغال به ،وهذا مع الأسف أكثر ما يشغل الساحة في هذه الأيام 0
9- الترجيح بين الأقوال لمعرفة الصواب من سواه:
والمرجحات التي يرجح بها قول على آخر كثيرة ،بحثها العلماء في باب التعارض والترجيح في علم أصول الفقه،متها مرجحات في متون الأدلة،ومنها مرجحات في طرقها وأسانيدها ،ومنها مرجحات بأمور خارجة عنها ،وقد تجاوزت المرجحات عند بعض أهل العلم مائة مرجح
والأمر يحتاج إلى تقوى وعلم وفقه وبعد عن الهوى وحب الانتصار للراي0
وهذا المنهج العلمي الدقيق لو تعامل به الناس مع مسائل الخلاف لأمكن تجاوز كثير من السلبيات التي تعج بها الساحة
ولكن مع الأسف الشديد نرى أن كثير من مثقفي العصر –الذين لا تتجاوز ثقافاتهم أبجديات العلم الشرعي ومبادئه ،إن لم تكن ثقافتهم ثقافة صحف ومجلات فقط – تراهم يفسقون وبدعون،ويرجحون ،ويردون وينالون من المخالفين ،وهم أبعد ما يكونون عن المنهج الشرعي في التعامل مع المسائل الخلافية،فضلاً عن مراعاة خطواته السالفة الذكر والتي هي الضمان لسلامة التعامل مع مسائل الخلاف 0
وبعد هذه التوطئة بذكر هذه المعالم لمنهج سديد للتعامل مع مسائل الخلاف ،ننتقل إلى ذكر أسباب الخلاف ،ليصبح الأمر كما قال شيخ الإسلام –رحمه الله- وهو يتحدث عن الخلاف بين الأئمة-:
((اتفاقهم حجة قاطعة ، واختلافهم رحمة واسعة ))
الـفصل الـثـاني
أسباب الخلاف المذموم
1- الغرور بالنفس0
2- الحرص على الزعامة والصدارة والرياسة والقيادة والمنصب والجاه 0
3- سوء الظن بالآخرين 0
4- التعصب الأعمى لعالم أو مذهب أو جماعة من الناس 0
5- قلة العلم في صفوف كثير من المتصدرين 0
6- عدم التثبت في نقل الأخبار وسماعها وروايتها 0
7- مؤامرات الأعداء وأهل النفاق 0
أسباب الخلاف المذموم
الاختلافات كما سبق تنقسم إلى قسمين:اختلافات مشروعة ،واختلافات مذمومة 0
ونبدأ بذكر أسباب التفرق المذموم ،لأنه إذا أمكن اجتناب أسباب الاختلاف المذموم،أمكن –بإذن الله- أن ترتفع من ساحتنا الإسلامية الخلافات الضارة المفرقة المشتتة،وأمكن تلافي شرورها وأثارها 0
فإذا أضفنا أمراً آخر ،وهو مراعاة آداب الاختلاف المشروع تم الخير بإذن الله0
أهم أسباب التفرق المذموم:
1 – الغرور بالنفس :
الذي يولد الإعجاب بالرأي والكبر على الآخرين ،فيصر الإنسان على رأيه،ويستخف بأقوال الآخرين،مهما كان دليلها وحجتها ، فنظره إلى الآخرين نظر الاحتقار والازدراء اللّذَين لا يتوقع منهم الصواب ،ونظره إلى نفسه نظر الإعجاب والافتخار ،وإلى رأيه نظر الصواب الذي لا يظن به الخطأ،فهو الصواب والصواب هو0
ولو أرعوى قليلاً واتهم نفسه ،وعلم أنها أمارة بالسوء لدفع كثير من الخلاف والشقاق ،ولكان له أسوة بمن قال الله عنه : {فَبِمَا رَحْمةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِظَ القَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ }[آل عمران :159]0
ومن تدبر تأديب القرآن الكريم وتربيته للمؤمنين،أدرك إلى أي مدى يجب أن تستلّ من النفوس
أمراضها ، كالغرور والإعجاب و الكبر ،حتى يسلس قيادها ويستقيم شأنها ،قال تعالى : {وَعِبَادُ الرَّحْمانِ الذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضَ هَوْناً وَإذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالوا سَلاماً} [الفرقان :63]0
وإذا كانت صفة التواضع ولين الجانب من أوائل صفات المؤمنين ،فإنها في حق من انتصب للعلم والدعوة والفتوى والتعليم أوجب وأكثر ضرورة وإلحاحاً0
وتأمل كيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس كافة ،كان أكمل الناس خلقاً،وأنبلهم مسلكاً،وأعظمهم إيثاراً وتواضعاً،ما عرفه أحد إلا أحبه،يأتي الأعرابي النكرة ،والغليظ الجافي ،فيجر برده صلى الله عليه وسلم بقوة،حتى يؤثر طرف البرد في رقبته ،فما يزيد على أن يبتسم في وجهه ويخالفه أصحابه يوم بدر في المنزل الذي ينزلونه
ويوم أحد في الخروج للقوم ،فيترك رأيه لآرائهم صلى الله عليه وسلم ويمضي أصحابه على سنته حتى استحقوا من الله وصفهم بأنهم أذلة على المؤمنين ،أعزة على الكافرين
الفهد البرونزى
19-07-2006, 03:52 PM
كيف لا وهم حملة رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده ،ومبلغوا دعوته للعالمين،رضي الله عنهم وأرضاهم0
وتأمل فيما وصف الله به مَن تأهل للاهتداء بكتابه،فقال سبحانه تعالى :
{ ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيبَ فَيهَ هُدىً لَلْمُتَّقِينَ (2) الّذيِنَ يُؤمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمَمَّا رَزقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
(3) وَالذِينَ يُؤمِنونَ بِمَا أُنزِل إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلكَ وَبالأَخَرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4) أُولاَئِكَ عَلَى هُدىً مِّن رَّبِّهِم وَأُوْلاَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [البقرة:2-5] 0
وحين ترى أن سبب الخلاف هو طاعة الهوى والإعجاب بالرأي فابتعد عن أصحابه ،لا تسمع منهم ، ولا تسمعهم ما عندك ، والزم العمل الجاد المثمر ،فهو أولى بقضاء أوقاتك ،والله المستعان 0
2- الحرص على الزعامة والصدارة والرياسة والقيادة والمنصب والجاه:
وهو الداء الدوي ،والشهوة الخفية ، التي تفتك بالإيمان،وتحرق الحسنات ، فكم من إنسان عذب المنطق ،وافر العلم، واسع الثقافة، قد زهد في الدرهم والدينار ،ولكن حب الظهور والبروز قد سيطر على قلبه ،وركب له كل صعب وذلول ،فأثار الخلاف ومزّق الصفوف ،وشتت الدعاة ،والمبرّر المعلن البحث عن الحق ،وحماية الدعوة ،والحرص على الاتباع ،ولو صدق مع نفسه لقال : إن كان هذا طلاء وغشاء للبحث عن السيادة والريادة0
وهل أهلك عبد الله بن أبي بن سلول إلا حب الرياسة ؟
وهل صرف هرقل عما عرف من الحق ألا حب الرياسة ؟
وهل جعل أبو جهل يعرض عن الوحي الذي استيقنه إلا حب الرياسة ،والبحث عن المجد المزعوم ؟
وفي الوقت نفسه كان الأخيار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عرضت لهم الإمارة تدافعوها وأبوها ، كما في يوم مؤتة
وكما في سقيفة بني ساعدة حين قال الصديق رضى الله عنه :قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ،أيهما شئتم –يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح – فقال عمر رضي الله عنه ،والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك إلى إثم أحب إليّ أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر إلا أن تغير نفسي عند الموت
وحين توفي أبو بكر واستخلف عمر رضي الله عنهما بعث بتولية أبي عبيدة ،وعزل خالداً من الإمارة في بلاد الشام ،فوصل الكتاب إلى خالد في أوج معركة اليرموك فأخفاه حتى انتهت المعركة ،وتم النصر للمسلمين ودفن الشهداء ،وعولج الجرحى ،وأرسلت البشائر للمدينة،ثم أظهره لأبي عبيدة ،فقال أبو عبيدة رحمك الله ،هلا أخبرتني حين وصلك الكتاب ؟!
،فقال خالد: كرهت أشق على المسلمين ، وما يضر أحدنا أن يليه أخوه في ذات الله سبحانه وتعالى
) هكذا تكون النفوس حين يكون المقصد وجه الله والدار الآخرة ،أما حين يكون المطلب الدنيا فالأمر يختلف ،ومن ختل الدنيا بالدين وسعى لها السعي الحثيث ،فاعلم أنه ليس بأهل أن يكون من حملة رسالة الله ، ووراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وإنه وإن ظهر في الحياة واشتهر وخدع الناس فلا بد وأن تكون عاقبته – والعياذ بالله – الخذلان والنكوص على الأعقاب ،والانحياز للدنيا ظاهراً، كما هو باطناً، نسأل الله العفو والعافية0
1- سوء الظن بالآخرين :
فهو ينظر لجميع الناس بالمنظار الأسود،فأفهامهم سقيمة،ومقاصدهم سيئة ، وأعمالهم خاطئة ،ومواقفهم مريبة،كلما سمع عن إنسان خيراً كذبه ،أو أوله ،وكلما ذكر أحد بفضل طعنه
وجرحه ،اشتغل بالحكم على النيات والمقاصد ،فظلاً عن الأعمال والظواهر ،والمصادرة للآخرين قبل معرفة رأيه ،أو سماع حجته ،وبرهانه ودليله ،والافتراض أنه نصر على الباطل رغم عدم مناقشته وحواره0
مبدع في تحطيم ما بينه وبين الناس من جسور يمكن أن يتم التفاهم من خلالها 0
فحين كان الأصل فيمن يريد هداية الناس ووحدة أهل الحق أن يبني جسور الثقة بينه وبين الآخرين ،يأتي هذا الصنف من الناس فيهدم القائم منها ،ويحفر مكانها خنادق واسعة مهلكة من عدم الثقة وسوء الظن ،ثم يطلب بعد ذلك أن يقبل الآخرين بما عنده ،ويلومهم على عدم سماع ما لديه من الحق بزعمه 0
إن الذي ينبغي أن يسود العلاقة بين الدعاة وأهل العلم هو الحب والإخاء والتعاون وحسن الظن ، فمن ظهر لنا خيره وحرصه على الدين وحدبه على المسلمين أحسنّا به الظن ،والتمسنا له العذر ،ودعونا الله سبحانه وتعالى له بالسداد والمغفرة والرحمة 0
وهذا الذي قد طوى عن الناس كل خير واحتكره لنفسه ،فيه نفس من الخوارج الحرورية الذين كانوا من أول من فرّق المسلمين حين ساء ظنهم بمن سواهم ،واغتروا بأعمالهم ،فكان في ذلك – والعياذ بالله – هلاكهم ،وإنك لتلمح – مع الأسف الشديد –في صفوف المتدينين –من أهل العصر – من يكرّس تلك المقولات تحت لافتات أخرى ،فكم من دعوى للإصلاح والاستدراك والتصفية والتنقية لم يجني منها الدعاة إلا التفرق والتشرذم والشتات0
2- التعصب الأعمى لعالم أو مذهب أو جماعة من الناس :
ذلك أن الله لم يجعل العصمة إلا للكتاب والسنة وما أجمعت عليه الأمة ، فلا ينبغي أن نتعامل مع أي عالم أو مذهب أو جماعة على اعتبار أن كل ما يصدر عنهم حق لا يجوز مخالفته ولا التخلي عنه ، بل يجب أن يكون شعارنا كل يؤخذ من قوله ويردّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،ولكن –مع الأسف الشديد –
هذا الداء فتك بالساحة الإسلامية ،وشتت شمل الدعاة ،ومزق صفوفهم حتى أن بعض الدعوات التي كان شعارها وميزتها النظرية نبذ التقليد جملة وتفصيلاً والعودة إلى الكتاب والسنة أصبحت أقوال مشايخها حقاً مطلقاً لا يأتيها الباطل من بين يديه ولا من خلفه
حتى وإن كان هذا القول شذوذاً خالف فيه الأمة سلفاً و خلفاً ،نعم لاشك أن العلماء الدعاة العالمين هم ورثة الأنبياء ،وهم أهل الخشية الذين هم يهدون إلى الحق ،وبه يعدلون ،يحملون هذا الدين خلفاً بعد سلف ،فينفون عنه انتحال المبطلين ،وتحريف الغالين،هم عدول الأمة ،وأهل المنزلة العالية الرفيعة في الدين ،احترامهم وحبهم توقيرهم واجب شرعي ،لكن على أن لا يرفعوا فوق منزلتهم ولا يُغلَى فيهم ، كما غلا اليهود والنصارى في أحبارهم ورهبانهم 0
وكان الإمام أحمد –رحمه الله –يقول : (( لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكاً ،ولا سفيان ، ولا الشافعي )) (1)0
وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : ((من كان مستناً فليستن بمن قد مات ، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة )) (2) 0
والناس في حق الدعاة والعلماء ،ما بين غالي وجاف ،فأناس مازالوا في أبجديات العلم ،وإذا ذكر لهم الأئمة والعلماء وكبار الدعاة قالوا :هم رجال ونحن رجال ،وكم من رويبضة نال من الأخيار الأبرار ،وملأ الآفاق ضجيجاً وعويلاً،وكن حقه أن يؤخذ على يديه ،ويحجر على لسانه
وأناس غلوا في العلماء وكبار الدعاة حتى فقدوا أمامهم شخصياتهم ،وسلبوا إرادتهم ،وأصبحوا يسلّمون بكل ما قالوا ، بلا تفكير ولا روية، والحق وسط بين طرفين 0
5- قلة العلم في صفوف كثير من المتصدرين:
وهو ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم : ((أن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ،ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ،حتى إذا لم يُبقِ عالماً اتخذ الناس روؤساً جهالاً ،فسئلوا بغير علم فضلوا وأضلوا ))
ولو قارنت شدة ورع السلف في قضايا العلم والفتيا بشدة جراءة أهل العصر لرأيت العجب العجاب ،فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يُسئل عن قضية فيفكر فيها حولاً ثم يقول :
( التمست مسألتكم في كتاب الله وسنة رسوله فما وجتها فأقول فيها برأيي ،فإن فإن أصبت فمن الله ،وأن أخطأت فمن نفسي والشيطان )
ويقول الشعبي –أحد أئمة التابعين-: ((أن المسألة لتعرض على أحدكم فيفتي فيها وهو متكئ على أريكته ،لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر ))
رحم الله الشعبي ، كيف لو أدرك زماننا ؟!
وهذا إمام دار الهجرة مالك بن أنس يرسل إليه أهل المغرب يستفتونه في ثمان وثلاثين مسألة ،فيجيب في ست ،ويقول في اثنتين وثلاثين :لا ادري
وهذا محمد بن عجلان يقول : ((إذا أخطأ العالم لا أدري ،فقد أصيبت مقاتله ))
وكانوا يقولون : (( لا أدري نصف العلم ))
كيف لا وهم يتلون قوله تعالى :
{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بَهَ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً } [ الإسراء /36]
وهذا القاسم بن محمد بن أبي بكر –أحد علماء التابعين – يُسأل فيقول :
لا أحسنه ، فقال السائل :إني جئت إليك لا أعرف غيرك ، فقال القاسم :لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرت الناس حولي ، والله ، ما أحسنه،فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي ،ألزمها ،فوالله ،ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم ، فقال القاسم ،والله ، لأن يقطع لساني أحبّ إليّ من أن أتكلم بما لا علم لي (1)
في الإسلام ،والمغنون والمغنيات ،والممثلون والممثلات ،وكذا الراقصات ،كل أولاء صاروا يفتون في الإسلام؟
كل شيء في حياتنا لا يعمل إلا المتخصص ،أما الدين فكلأ مباح للجميع ،الكل يتحدث باسمه ،حتى صار الدين أهون عند الناس من الدنيا 0
قرأت في إحدى المجلات مقابلة مع راقصة ، فكانت تهاجم الشباب الملتزم وتتهمهم بالتطرف وعدم فهم الدين ،وتقول :ماذا في الرقص ، الرقص عمل ، والعمل عبادة ،فأنا أعبد الله بالرقص !
وعندما تُسأل ممثلة أخرى عن بعض المناظر على خشبة المسرح تستفز الناس وتثيرهم ، مثل تقبيل الممثل واحتضانه لها أمام الناس ،فتقول :أنا لست ساقطة ،هذه ضرورة فنية ،وعندما يقبلني ويحتضنني أفترض أنه أخي ،وأنا امرأة ملتزمة بديني 0
فهل تريد من أمة هان عليها دينها حتى أصبح كل علماني وشعوبي وساقط يفتي فيه ويقسم أتباعه إلى متزمت وأصولي ومتطرف ومعتدل ،ألاّ تختلف ولا تتفرق ؟
إن الواجب على أمة الإسلام أن تأخذ على يد كل سفيه يريد أن يبدل حقائق الدين ،ويتكلم فيه بما لا يليق ،وأن لا يتكلم في العلم إلا أهله ،الذين بذلوا الجهد واستفرغوا الوسع في طلبه وتحصيله ،وهذه الأهلية لا تنال بقرار وظيفي ،ولا أمر إداري ،إنما تنال بسهر الليالي ومصاحبة الكتب ومجالسة أهل العلم ،والتقوى قبل ذلك كله0
الفهد البرونزى
19-07-2006, 04:03 PM
6- عدم التثبت في نقل الأخبار وسماعها وروايتها :
وهي بلية أصيب بها عصرنا ،وأي بلية !
ورحم الله أسلافنا الذين كانوا إذا حدثوا بأمر قالوا : ((سمّوا لنا رجالكم ))
و ((ولولا الإسناد لقال من قال ما قال )) 0
وكم من خبر قلبت حقيقته ،أو اختلق اختلاقاً،وما آفة الأخبار إلا رواتها ، والعجب أن الناس يشددون في أمر الدنيا ،فلو شهد شاهد عند القاضي في مائة ريال لَتُثُبِتَ من عدالته ونوقش ،أما أن يشهد على أمور كبيرة في دعاة الأمة وعلمائها فلا يناقش في ذلك ،ولا يُسأل عنه ،ولا يتثبت من روايته ،وصحتها من عدمها
ولو كان كل من نسب لعالم أو داعية أو مذهب قولاً قيل له:
ما دليلك ؟
هب رأيت بعينك ؟
أو سمعت بأذنك ؟
أو نقلت عمن ارتفع عن حد الجهالة ونال الثقة به من الأمة أو أوردت قرينة قاطعة على صحة نقلك ؟
فإن أورد دليله بحثنا في صحته ،ودلالته ،وأن قال هاه ،سمعت الناس يقولون ،أو قيل كذا وكذا ،فيقال له ،أنت أحد رجلين ،إما مغفل ساذج ،وهذا باتفاق علماء الأمة لا تقبل روايته إذا أنفرد ، أو مفتر كاذب ، وهذا لا تقبل روايته ،بحال ،وعليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى 0
وبهذا تقبر مقالة السوء وأسباب الفرقة والخصومة في مهدها ،ولا يغرّنّك بعض من دخل في صفوف الملتزمين وطلبة العلم من دعاة الفرقة وأهل الفتنة
فإنما هم مطايا الشيطان وركائبه الذين يجول بهم لتحقيق مآربه ومقاصده ،وكم من إنسان يسمع الأمر فيفهمه على غير وجهه ،ثم يشيعه على وجه آخر ،وعند البحث والاستقصاء تجده هراء وتفاهات ،إن لم يكن وراءه
الأعداء وعملائهم من أبناء المسلمين ،ولا حول ولا قوة إلا بالله 0
7-مؤامرات الأعداء وأهل النفاق :
وعداوتهم لنا معلومة مستيقنة ،قال تعالى : { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا } [ البقرة 217 ]
وهي عداوة قديمة غير منقطعة ، وقد أخبرنا المصطفى صلى الله عليه ويلم أن الشيطان قد يأس أن يعبد في جزيرة العرب ولكنه يرضى بالتحريش بين المؤمنين
واليهود والمنافقون عندما عجزوا عن مواجهة المؤمنين وهم صف واحد بقيادة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عمدوا إلى النزاعات والخلافات والنعرات ، قال تعالى : {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُكُمْ إلاَّ خَبَالاً وَلأَ وْضَعُوا خِلالَكَمْ يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } [التوبة 47] 0
فكم من منافق اللسان ،ذرب المقال ،فصيح العبارة،يتنقل بين المسلمين بمظهر أهل التقوى ،وهو يقوم بدور عبد الله بن سبأ الذي أوقع ما أوقع بين المسلمين ،بعد أن غرهم بنسكه وعبادته ،ولا تحسب أن صاحب هذا الدور سيأتيك بمظهر أهل الفجور ،والفسق، بل سَيُعَدُّ إعداداً خاصاً ليتلاءم حاله مع دوره 0
ولعل من المناسب ذكره هنا ما أذيع في صوت أمريكا في تحليل أخباري عن تقرير أعده مجلس الأمن القومي الأمريكي عن النظام العالمي الجديد،وذكر في هذا التقرير عن الإسلاميين أمور منها :
إثارة الخلافات حول قضايا مثل حجاب المرأة وهل يجب فيه تغطية الوجه أو كشفه
وإثارة الخلافات بين الأحزان والتيارات ،فهذا إخواني وهذا سلفي
وإثارة النزاعات بين الدعاة والحكومات التي تتبنى الإسلام 0
نعم هذا ما يخطط له الأعداء ،وتستنفذ فيه الجهود ،وتدار حوله المعارك،ويستغل فيه كل ساذج بليد ،أو عميل مأجور ،وفي كل يوم يباد فيه شعب مسلم ،وسقط بيد الأعداء موقع
جديد ،المصاحف تمزق ، والمساجد تهدم ،والأعراض تنتهك ،والأبناء يُسبَون لحساب الكنائس
العالمية ،والأقصى يعيث فيه بنو صهيون وداعرا تهم من حقدة إخوان القردة والخنازير
والأمة من ذل إلى ذل ،ومن عار إلى عار 0
وهؤلاء الذين يثيرون الخلاف ،ويسعرون ناره في غيهم سادرون ،وفي تيههم ماضون ،ويالها من مصيبة0
فإن لله وإن إليه راجعون 0
* * *
الفصل الثالث
أسباب الخلاف المشروع
·
تمهيد .
· تفاوت العقول والأفهام.
· طبيعة اللغة العربية .
· الاختلاف في بعض قواعد الاجتهاد والاستنباط .
· الخلاف في حجية بعض الأدلة .
· الاختلاف في ثبوت بعض النصوص الشرعية من السنة النبوية.
· الاختلاف في فهم بعض النصوص الشرعية .
· الاختلاف في تنزيل الأحكام على الوقائع لتجددها وكثرتها .
· اختلافهم في تقدير المصالح والمفاسد في أمر الأمور .
أسباب الخلاف المشروع
تمهيد :
كما أن للخلاف المذموم أسبابه المذمومة ،ويمكننا رفعها ودفعها ،ونحن مأمورون بذلك شرعاً،فإن للخلاف المشروع أسبابه التي لا يمكن دفعها ولا رفعها
ولا يذم من كان خلافه مبنياً عليها ، لأنها مراعاة في الشرع ،غاية ما في الأمر أن الله جعل لها آداباً وضوابط تضبط بها ،ويتأدب بها المختلفون ،وحينئذ فلا ضير من وجود تلك الخلافات0
وقد أشار لذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عند حديثه عن قوله تعالى : {وَدَاوُدَ وسُلَيْمَانَ إذْ يَحْكُمَانِ فيِ الحّرْثِ إذْ نَفَشَتْ فَيهِ غَنَمُ القَوْمِ وَكنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمنَاهَا سُلَمَانَ وَكلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [ الأنبياء 78-79]
0
فقال :إن الخلاف وقع بين الأنبياء ،والعلماء وورثة الأنبياء ،ومن لوازم هذه الوراثة وقوع الخلاف بينهم ،بل وقوع الخلاف بين العلماء من باب أولى ))
وقد ذكر الله في كتابه وقوع الخلاف بين موسى وهارون ،كما ذكر الخلاف بين داود وسليمان ،بياناً لهذا الأمر ،وتسلية للأمة ولو أراد الله رفع هذا الخلاف لرفعه0
وهذه الأسباب منها ما يعود إلى الإنسان المجتهد ومنها ما يعود إلى الوحي المنزل ،ومنها ما يعود إلى اللغة التي نزل بها الوحي ،ومنها ما يعود إلى طريق نقل الوحي ،ومنها ما يعود إلى طبيعة الأحداث والنوازل التي يبحث عن حكمها في الشرع شرعاً وقدراً 0
وكذلك وقع الخلاف بين السابقين،فمنه ما ذمه الله ،ومنه ما لم يذمه ،فدل على ذلك على أن منه ما لا يمكن دفعه ،ولا يطالب الشرع اجتنابه 0
الأسباب :
ولآن إلى هذه الأسباب بشكل موجز ومختصر:
السبب الأول : تفاوت العقول والأفهام :
إذ من مظاهر الإعجاز الرباني في خلق الإنسان ، أنك لا تجد في مليارات البشر اثنين يتطابقان في كل شيء0
ولعل الاختلاف في العقول والأفهام والبصائر أعظم بكثير من الخلاف في الأشكال الظاهرة ، والنمو العقلي عند الإنسان أضعاف النمو البدني الجسماني،إذ الفرق بين عقل الإنسان عند بلوغه وعند ميلاده أكبر بكثير من الفرق بين جسمه عند ميلاده وعند بلوغه ،وهذا بعكس جميع الأحياء من المخلوقات الأخرى التي تنمو أجسامها ولا تنموا مداركها ،حتى إذا أراد الإنسان تعليم الحيوانات بعض المهارات المحدودة بذل جهداً كبيراً في ذلك ،وأنّى ذلك مما أبدعته عقول الناس من معارف وآداب وثقافات وحضارات ومدنيات ونظريات ،وما يشيّدوه من مصانع ومبان وسدود، وما أنتجوه من آلات ومعدات 0
وهذه العقول وما تكسبه من معارف وما يؤثر فيها متباينة تبايناً شاسعاً هائلاً،فلا تجد عقلين يتطابقان في كل شيء ،في كل مسألة في كل قضية 0
والعقول لاشك مناط التكليف ،بها يفهم الوحي ،وبها يُعْبَد الرب سبحانه ،ولذلك عندما يذهب العقل يزول التكليف ،ويرتفع القلم 0
فتفاوت العقول في فهم النصوص الشرعية وتطبيقها على الأحداث النازلة من أهم الأسباب الاختلاف ،وإذا بذل الإنسان جهده واستفرغ وسعه في تحري الحق فلا لوم عليه ،
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ،وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر )) (1)0
وقال تعالى :{ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ وَسْعَهَا } [ البقرة :286]
والإسلام دين واقعي لا يعيش بأتباعه في الخيالات والأوهام والمثاليات ،فإذا كانت هذه مقدرة الإنسان وطاقته ،والله يعلم صدقه في طالب الحق ،فإذا أصاب الحق كان له أجران ،أجر على إصابته ،وأجر على جهده فقط ،ما دامت هذه قدرته وإمكاناته 0
وهذا السبب لا يمكن دفعه ولا رفعه ،فأنت لا تستطيع أن تجعل الناس كلهم نسخة واحدة من الناحية العقلية ،وحينئذ فلا مناص من التعامل مع هذا السبب القدري ،والتعايش معه ،وعدم استنكار وجوده0
وهذا السبب عائد إلى طبيعة تكوين الإنسان الذي كلف بفهم الشرع وتطبيقه0
السبب الثاني :طبيعة اللغة العربية :
هذه اللغة التي نزل بها الوحي ،ويفهم على مقتضى قواعدها ،وهذه اللغة فيها المترادف والمشترك ،وفيها الحقيقة والمجاز ،وفيها النص والظاهر ، و فبها المجمل والمبين ،وكل هذا –ولا شك –يؤدي إلى الاختلاف في فهم نصوص الشرع التي تتوارد عليها هذه العوامل اللغوية 0
وهو باب واسع لا يدركه جيداً إلا من كان على صلة بعلوم اللغة من نحو وصرف واشتقاق وبيان وبديع وأدب وغير ذلك0
وكثير من الاختلاف في مباحث أصول الفقه والقواعد الفقهية ،وبالتالي في الفقه والفتوى قائم على هذا الأمر 0
ولنضرب مثالاً لذلك بالاشتراك اللفظي ،والاشتراك هو تعدد المعاني في لفظ واحد ،وفي عبارة واحدة إذا لم يرد في السياق ما يحدد المراد من هذا المعنى ،أو إذا لم يوجد من القرائن ما يحدد المراد منها وهو أقسام :فمنه الاشتراك في اللفظة المفردة الواحدة ومنه الاشتراك في التراكيب
والجمل ،ومنه الاشتراك بسبب ما يعرض للكلام من إعراب وصرف ،ومنه الاشتراك بين معاني مختلفة متضادة ،ومنه الاشتراك بين معان مختلفة غير متضادة0
أمثلة قرآنية :
فمن أمثلة الاشتراك في اللفظة الواحدة كلمة (قرء) الواردة في قوله تعالى :{ وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء} [البقرة :228] ، فمن العلماء
من قال :المراد به ثلاثة أطهار
ومنهم من قال : المراد ثلاثة حيض
والجميع وارد في لغة العرب ، ولكل من الفريقين أدلته التي لا يتسع المجال لذكرها وتفصيلها 0
ومن أمثلة الاشتراك بسبب تركيب الكلام وبناء بعضه على بعض :قوله تعالى :{لِّلَّذِينَ يُؤْلًونَ مِن نَسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أربَعَةِ أشهُرٍ فَإن فَآءُو فَإن اللهَ غَفٌورٌ رَّحِيمٌ (226) وإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإن اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)} [البقرة 226-227]
هل نهاية الفيئة بانتهاء الأربعة أشهر أو بعد الأربعة أشهر،بكل قول قال بعض أهل العلم ،وسبب خلافهم هو:هل الفاء في قوله (فإن فاؤوا )للترتيب الذكري أو للترتيب المعنوي ؟
ومن أمثلة الاشتراك بسبب ما يعرض للكلمة من إعراب أو صرف :قوله تعالى :{ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ الاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ الاَّتِي دَخَلتُم بَهَنَّ} [النساء 23]
هل القيد بالدخول في حالة تحريم بنت الزوجة فقط ،أم يشمل أيضاً تحريم أم الزوجة؟
وأيضاً في قوله تعالى :{وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} [ البقرة 282]،وهل أصل يضار هو يضارر بالبناء للمعلوم فيكون الخطاب للكاتب والشهيد ،أم بالبناء للمجهول فيكون المخاطب غيرهم؟
بكل رأي قال بعض أهل العلم قلّوا أو كثروا ،كان ما ذهبوا إليه ضعيفاً أو قوياً ،لكن سبب اختلافهم الاشتراك ،وهو أمر لصيق باللغة العربية 0
أيضاً مباحث الحقيقة والمجاز ، والقياس في اللغة وعدمه من أسباب اختلاف أهل العلم 0
فمثلاً في قوله تعالى :{ أَوْ لامَسْتُمُ الّنسَاءَ} [ النساء :43] ، من حمله على الحقيقة قال ،إن لمس النساء ينقض الضوء مطلقاً ،ومن حمله على المجاز قال :إن المراد به الجماع0
· وكذلك من قال إن الخمر المحرم هو ما أسكر من عصير العنب ،قليله وكثيره ،ومن قال إن الخمر المحرم هو عصير العنب فقط أما غيره فإن قليله الذي لا يسكر ليس بمحرم ،وهي مسألة النبيذ الشهيرة التي قال بها فقهاء الكوفة من الحنفية وغيرهم 0
الفهد البرونزى
19-07-2006, 04:11 PM
السبب الثالث :الاختلاف في بعض قواعد الاجتهاد والاستنباط:
إذ أن للاجتهاد في فهم النصوص قواعد تستنبط بها الأحكام 0
وهذه القواعد منها ما هو متفق عليه ،ومنها ما هو من المسائل الخلافية ، والخلاف في أي قاعدة من هذه القواعد يتفرع عليه الخلاف في كثير من الفروع الفقهية0
فمن هذه القواعد التي وقع الخلاف فيها بين الحنفية والجمهور مثلاً:1- حجية مفهوم المخالفة :
فالجمهور يقولون إنه حجة ،والحنفية يقولون إنه ليس بحجة ،إذ غاية ما في الأمر دلالة النص على منطوقة ،أو مفهوم الموافقة بأقسامه ،أما مفهوم المخالفة فلا دلالة في النص عليه ،ويبحث عن حكمه في أدلة أخرى 0
ومما ترتب على ذلك في بعض الفروع الفقهية
أن الجمهور يقولون :
لا يجوز الشروع في الصلاة بغير التكبير ،ولا الخروج منها بغير التسليم ،لحديث ((مفتاح الصلاة الطهور ، وتحريمها التكبير ، وتحليلها التسليم )) (1) أما الحنفية فبقولون :غاية ما في الأمر بيان مشروعية الدخول في الصلاة بالتكبير والخروج منها بالتسليم ،لا منع بالدخول والخروج بغيرهما 0
ولذلك يرى الحنفية جواز الدخول بأي ذكر كالتسبيح والتحميد والتهليل ،والخروج بأي عمل ليس من جنس الصلاة 0
والفروع الفقهية التي وقع الخلاف فيها بسبب الخلاف في هذه القاعدة كثيرة جداً 0
حمل العام على الخاص :
فالجمهور يرون حمل العام على الخاص ،بمعنى أن الخاص يسلب العام بعض دلالته ،فهو أقوى منه لأن دلالة الخاص عندهم قطعية ،ودلالة العام ظنية، والقطعي أقوى من الظني
أما الحنفية فهم يرون عدم حمل العام على الخاص أن دلالة العام قطعية ودلالة الخاص قطعية ،فهم في القوة سواء ،وبالتالي فالخاص ناسخ للعام إذا ورد عليه 0
والخلاف في هذه القاعدة كان سبباً في الخلاف في كثير من الفروع والتطبيقات الفقهية 0
منها مثلاً مقدار النصاب في زكاة الخارج من الأرض ،فالحنفية يقولون بوجوب الزكاة في قليله وكثيره ،لعموم حديث: (( فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً (1) العشر وما سقي بالنضح نصف العشر )) (2) 0 والجمهور يقولون : لا زكاة إلا فيما بلغ خمسة أوسق (3) صدقة )) (4) ؛ إذ خصص بهذا الحديث عموم الحديث السابق0
السبب الرابع: الخلاف في حجية بعض الأدلة:
فقد اتفقت الأمة على حجية الكتاب والسنة والإجماع القولي ،واختلفوا فيما عدا ذلك 0
والخلاف في بعض الأدلة قوي ،وفي بعض ضعيف ،فمما وقع الخلاف فيه
:بعض الإجماعات،كإجماع أهل المدينة ،وإجماع الخلفاء الأربعة ،وكذلك القياس 0والخلاف في غير هذه الأدلة أقوى كالخلاف في حجية شرع من قبلنا ،وقول الصحابي ،والمصالح المرسلة،والاستصحاب، والاستحسان ،وغيرها مما استدل به بعض أهل العلم0
وما من خلاف في أي دليل من هذه الأدلة إلا ويتبعه الخلاف في فروع وتطبيقات فقهية كثيرة ،يصعب استقصاء بعضها ،أو التمثل لجمعها فضلاً عن التعريف بها ،وبيان مذاهب أهل العلم فيها ،وأقوالهم في فروعها ،وأدلة كل فريق 0
لكن المهم الذي ينبغي معرفته أن أسباب اختلاف العلماء والدعاة اختلافهم في بعض ما يستدل به ،وعدم إنكار أحد منهم على الآخر ما ذهب إليه من مخالفته ،مع كثرة المباحثة والمناظرة فيما بينهم فيما اختلفوا فيه أصولاً وفرعاً0
والتوسع في هذا المبحث موجود في كتب أصول الفقه،وكتب القواعد الأصولية ، والقواعد الفقهية ،وكتب تخريج الفروع على الأصول0
السبب الخامس : الاختلاف في ثبوت بعض النصوص الشرعية من السنة النبوية :
وهذا باب واسع ، والحديث فيه يطول ،والخلاف بسببه وقع من زمن مبكر جداً
،ثم في العصور المتأخرة ازداد الأمر ،فكم من نص ثبت عند أناس ولم يثبت عند آخرين ،أما لأنه لم يبلغهم أصلاً ،أو بلغهم من طريق لا تقوم به الحجة عندهم ،وإن كان طريقاً موثوقاً عند غيرهم ،فكم من رجل جرحه أناس ووثقه آخرون بالإضافة للخلاف في رواية مجهول الحال أو العين ،أومن روى عنه ثقة ،أو من كان مرسلاً ،أو عمل الراوي بخلاف روايته ،أو إذا نسي الراوي روايته ،هل يقدح كل ذلك ،أو بعضه ،أو لا يقدح منه شيء في ثبوت النص المنقول0
أمثلــة:
2- حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها ،أن زوجها طلقها ثلاثاً فلم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لها سكنى ولا نفقة ،قال عمر :لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت ونسيت،لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل :{لاَ تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخرُجنَ إلآَّ أَن يَأتِينَ بَفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } [ الطلاق:1]
2- اختلاف الصحابة في دخول بلاد الشام حين وقع فيها الطاعون وقدموا لها مع عمر
رضي الله عنهم،حتى ظهر مع عبد الرحمن بن عوف حديث في الأمر لم يبلغ جمهور الصحابة
فتوى أبو هريرة رضي الله عنه أن من أصبح جنباً لا صوم له ،وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً صائماً ،كما قالت عائشة رضي الله عنها ،لكنه لم يبلغ أبا هريرة
وكثيرة هي الأحاديث التي وقع الخلاف في ثبوتها0
وكلما ازداد الناس بعداً عن عصر الرسالة كلما ازداد خلافهم في ثبوت بعض السنة ،وترتب على ذلك الخلاف في كثير من المسائل العلمية أو العملية أو الدعوية0
وهو من باب واسع جداً يعرفه من قرأ علم الحديث ،والمصطلح،وتراجم الرجال ،والجرح والتعديل ،والإشارة إلى هذا تكفي في مثل هذا المقام 0
ومما يلحق في هذا السبب اختلافهم في ترجيح بعض النصوص على بعض ،أو نسخ بعضها ببعض ،وهو كذلك أوسع مما قبله0
السبب السادس الاختلاف في فهم بعض النصوص الشرعية:
سواء كان الخلاف في فهم آيات من القرآن أو فهم ما أتفق على ثبوته من السنة النبوية ،ولعل الخلاف في ذلك كان مبكراً قبل أن ينتقل الرسول الكريم إلى ربه 0
كما في بني قريظة،عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب : ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)) فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ،وقال بعضهم :بل نصلي ،لم يرد منا ذلك ،فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ،فلم يعنف واحداً منهم
والاختلاف في فهم النصوص الشرعية أمر طبيعي إذ أكثرها ظني الدلالة ، مما تتفاوت العقول
في فهم المراد منه ،وهذا من أسباب خلود الشريعة ،أما ما كان منه قطعي الدلالة لا يحتمل منه إلا معنى واحداً فلا خلاف فيه ،وهو الأقل من النصوص الشرعية0
وقد يقع من الرسول صلى الله عليه وسلم فعل يختلف العلماء بعد ذلك في فهم المراد منه ، كما في كثير من أفعال الحج ،فقد يرى البعض أنها واجبة ،ويرى الآخر أنها مندوبة ،وكما في بعض أفعال وأقوال الصلاة 0
وكذلك في مثل قوله صلى الله عليه وسلم ((ذكاة الجنين ذكاة أمه))
0والجنين هو ما يوجد في بطن الإبل أو البقرة أو الغنم إذا ذبحت ،فبعض العلماء فهم منها أن ذكاة الأم تكفي تذكية للجنين ،وبعضهم فهم أن المراد ذكّوا الجنين مثلما ذكيتم أمه0
وفي مثل قوله تعالى في آية الوضوء : {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}[المائدة :6] ،فهم البعض منها مسح جميع الرأس ،وفهم البعض مسح بعض الرأس 0
والأمثلة في ذلك كثيرة جداً0
السبب السابع :الاختلاف في تنزيل الأحكام على الوقائع لتجددها وكثرتها :
أي أن أصل الحكم لا خلاف عليه ، ولكن دخول هذه الواقعة واندراجها تحت هذا الحكم محل نظر ،فالبعض يرى دخولها تحته ،والبعض لا يرى ذلك ،فلا خلاف في فهم النص ،ولا في معرفة الحكم ، لكن الخلاف في تنزيله على الحوادث النازلة على الناس 0
فمثلاً لا خلاف في أن حد شارب الخمر كذا وكذا لكن هل هذه الواقعة تحقق فيها شرب الخمر ، من هذا الشخص 0
ومثال آخر
لا خلاف في هجر المبتدع الداعي إلى بدعته ،ولكن الخلاف هل ما حصل من فلان بدعة،أو ليس ببدعة ؟ وإذا كانت بدعة فهل تحقق منه الدعوة إليها ،أم لم يتحقق ذلك ؟وهذا ما اصطلح على تسميته عند علماء الأصول بتحقيق المناط ،وهو ما كان أكثر خلاف
الصدر الأول فيه ،أي أنهم لا يختلفون في أصل الحكم ،ولكن يختلفون في تكييف الواقع لهذا الحكم أو لذاك 0
مـثـال من الواقـع :
ولنضر مثالاً حياً تعيش الناس مشكلته ،وهو حكم الذبائح المستوردة من دجاج وغيره 0
هذه الواقعة الحادثة النازلة ،اختلف أهل العلم في أي الأحكام ينزل عليها ،ويعطي لها 0
فمنهم من قال :هذه ميتة 0وكل ميتة فالأصل فيها الحرمة ،إلا ما ثبت لنا أنها ذكيت ذكاة شرعية 0
وهذه القاعدة صحيحة في أصلها لا خلاف عليها ،ولا غبار ،ولكن الخلاف ،هل تنطبق على هذه الواقعة؟
ومنهم من قال :هذه من ذبائح أهل الكتاب 0 وذبائح أهل الكتاب الأصل فيها الحل ،إلا ما ثبت عدم تذكيته ذكاة شرعية0
والقاعدة صحيحة لا خلاف عليها ،ولكن الخلاف في تطبيقها وتنزيلها على هذه الحادثة 0
فأنت ترى أن الخلاف في هذه المسألة مبني على قواعد علمية شرعية وجيهة ،مع أن البعض يظن أن الخلاف فيها عبث ،ويتعجب كيف يختلف العلماء في مثل هذه القضية 0
وما أكثر الوقائع التي يقع الخلاف فيها بين رجال الدعوة وأهل العلم بسبب هذا الأمر ،وهم جميعاً باذلون لجهدهم ،مستفرغون لوسعهم ،معذورون مأجورون بإذن الله 0
الفهد البرونزى
19-07-2006, 04:20 PM
السبب الثامن :اختلافهم في تقدير المصالح والمفاسد في أمر من الأمور :
أي أنهم لا يختلفون في أصل الحكم ، ولا يختلفون في انطباق الحكم على هذه الواقعة ،لكنهم يختلفون فيما يترتب على ذلك من مصالح ومفاسد من بعد 0
فمثلاً منكر من المنكرات فشا في المجتمع ،لا يختلف الدعاة في أنه منكر وباطل ،ولا يختلفون في أن الحكم الشرعي إنكار المنكر ،لكنهم يختلفون فيما يترتب على هذا المنكر 0 فبعض الدعاة يرى أن إنكار هذا المنكر سيترتب عليه منكر أكبر ،فيجب حينئذ السكوت عنه ،والصبر والتحمل 0
ودعاة آخرون يرون أن هذا المنكر أكبر وأعظم مما سيقع إذا أنكر ،فيرون وجوب إنكاره وإزالته وتحمل ما سيصيب من أذى عند التصدي له وإزالته ولكن من الفريقين أجره من الله 0
وفقه المصالح والمفاسد،والموازنة بينهما،فقه عزيز ،قائم على معرفة مقاصد التشريع ،وإدراج كل أمر تحت المرتبة المناسبة له من هذه المقاصد ، فالضروري مقدم على الحاجي،والحاجي مقدّم على التحسيني 0
وأصل هذا الأمر في كتاب الله ، في مثل النهي عن سب أصنام الكفار لئلا يسبّوا الله عَدْواً بغير علم ،وفي مثل تخريب الخضر للسفينة لئلا تغصب بالكلية 0
وهذا الفقه يراعى في اللوازم والذرائع لكل من المفاسد والمصالح ،وبنى عليه أئمة الإسلام الكثير من فقههم ،مما جعله من أهم أسباب اختلافهم 0
هذه هي أهم أسباب الاختلاف المشروع ،ولكن لئلا يتحول الخلاف القائم على هذه الأسباب إلى خلاف وتفرق مذموم هناك آداب وضوابط له لابد من معرفتها والتحلي بها ،وإليك أهمها 0
الفصل الرابع
آداب الاختلاف
1- الإخلاص والتجرد من الهوى 0
2- رد الأمر عند الاختلاف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم 0
3- إحسان الظن بالمخالف ،وعدم اتهام نيته والطعن والتجريح في شخصه0
4- التزام الحوار بالتي هي أحسن ،والبعد عن المراء واللدد والخصومة 0
5- الابتعاد عن الجزئية في التعامل مع نصوص الشرع أو أقوال أهل العلم والدعوة0
6- التفريق بين مواضع الإجماع ومواضع الخلاف ، والتفريق بين الخلاف السائغ والخلاف الذي لا يسوغ 0
7- اعتبار المآلات والنظر في المقاصد 0
8- مراعاة عوارض الجهل والإكراه والتأويل أحياناً0
آداب الخلاف
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الأئمة : ((اتفاقهم حجة قاطعة،واختلافهم رحمة واسعة ))0
وهذا الاختلاف إذا فقد آدابه الشرعية تحول من رحمة إلى نقمة،والعياذ بالله 0
وأهم هذه الآداب التي ينبغي على المختلفين مراعاتها هي :
1- الإخلاص والتجرد من الهوى :
ذلك أن الإخلاص شرط لقبول كل عمل ، قال تعالى: { فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَل عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا } [ الكهف :110]، وقال تعالى : {وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [ البينة:5] ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((إنما الأعمال بالنيات ))
فالواجب على كل من بوأه الله منزلة في العلم والدعوة أن يتجرد من الهوى عند بحثه قضايا الدين ،ومسائل الشرع ،وأن لا يكون دافعه إلى ذلك حب الظهور ولا الغلبة والانتصار للنفس ،لأنه كم ورد : أن ((من طلب العلم ليجادل به العلماء ،أو ليماري به السفهاء ،أو يصرف به وجوه الناس إليه ،أدخله الله النار ))
ومن دخل مسائل الخلاف والاختلاف بعدة الهوى وسلاح العصبية فقليلاً ما يوفق ،والعياذ بالله بالإضافة إلى إحراقه لحسناته ،وخسرانه وندامته عند لقاء ربه 0
وعلامة الإخلاص من سواه أن صاحب الإخلاص لا يبالي أظهر الحق لديه أو لدى مخالفه ،فهو يقبل به من أي كائن كان ، حتى ولو كان طفلاً ،أو كما قال عمر : ((أصابت امرأة وأخطأ عمر ))0
فالواجب على طالب العلم والداعية إذا ظهرت شجرة الخلاف والاختلاف أن يفتش نفسه ،ويدقق في نيته ،ويبحث في دخائل قلبه أهو يريد بعلمه هذا وجه الله والدار الآخرة ،أم يريد أموراً أخرى ؟ وعندئذ يقدم أو يحجم 0
والحديث عن هذا الأمر وضرورته وأهميته يطول ،ولكن يكفينا في هذه العجالة هذه الإشارة.
2- رد الأمر عند الاختلاف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم :
أي أن يكون الكتاب والسنة هما المعيار الذي يحاكم إليهما كل رأي وقول ومذهب ،ويتحقق في حياة الناس معنى قوله تعالى :{ فَإن تَنَازَعْتُم فِي شَيْء فَرُدُّوه إلى اللهِ وَالرَّسُولِ} [ النساء :59]0
وحينئذ تصبح المرجعية العليا للوحي المنزل من الله ، يبحث عن الحق والحقيقة في أي أمر على ضوء الكتاب والسنة ،لأن كلاً يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فقد كتبت العصمة لما جاء به من ربه سبحانه وتعالى 0
وحين يرجع المسلمون إلى هذه الحقيقة ويحكمونها في حياتهم ،وينتهون إلى قول الله ورسوله سمعاً وطاعة وإذعاناً ،فإن أكثر الخلافات بين العاملين لهذا الدين ستزول 0
أما حين تقرر الآراء ،أو بالأحرى الأهواء،ثم يبحث لها عن المبررات في النصوص الشريعة اعتسافاً وابتساراً ،فهذا العمل لا مشكور ولا مبرور،بل الأصل والواجب أن تكون الآراء والاجتهادات نابعة من الكتاب والسنة،وثمرة للتأمل فيهما ،والعيش في ظلالها 0
ورحم الله أئمتنا الذين كان قولهم: ((ما وجتم لي من قول يخالف الكتاب والسنة فاظربوا به عرض الحائط ))
ولا يوجد أحد يسعه الخروج عن الكتاب والسنة إلا إن كان قد خرج من دائرة الإسلام وحوزته ،وخلّفه وراء ظهره إنما يحاور بغير هذا الكلام 0
وقد تجد المؤمن يحشد من الحجج والبراهين العقلية، والمبررات المنطقية،والمصالح المتوقعة ما يجعل السامع يميل لرأيه واجتهاده ،ولكن بمجرد أن يسمع قول الله ورسوله يرجع عن كل ذلك ،فيصبح الوحي هو المورد العذب الغزير الذي يلتقي عليه كل وارد للبحث عن الري والرواء والحقيقة
0
3- إحسان الظن بالمخالف ،وعدم اتهام بنيته والطعن والتجريح في شخصه:
إذ الأصل أن الخلاف بين المسلمَين لكل منهما على الآخر حقوق لا يذهب بها ويسقطها اختلافك معه في قضية من القضايا 0
ومن حقوقه أن عرضه حرام عليك كحرمة ماله ودمه ،ولا يجوز النيل منه إلا في مواضع حددها الشرع ،ولكن - مع الأسف الشديد – نجد من يتورع عن أخذ لقمة حرام ،ولربما أدام الصيام وأطال القيام ،ولكنه لا يتورع عن مضغ أعراض العلماء والدعاة أو المسلمين عموماً ،سلم منه الأعداء ولم يسلم منه إخوانه0
والأدهى والأمر- والعياذ بالله – أن الشيطان حسّن له معصيته حتى ظن أنها طاعة وقربة ،يتنافس فيها المتنافسون ،بل الأدهى والأمرّ أنه يختلف مع فرد واحد ،فيرميه بالفواقر ،ويزعم أن قصده سيء وغايته خبيثة،وإنما يقصد كذا وكذا 0
ثم ليت الأمر يقتصر على ذلك ،بل إنه يرمي أهل بلد أو إقليم بأكملهم أو جماعة ،أو مذهب بما رمى به هذا المختلف معه بحق أو بباطل،فجميع أهل بلد كذا ،أو الجماعة الفلانية،أو أهل مذهب الفلاني،كلهم مبتدعة منحرفون ،والسبب أن فلان الذي اختلف معه أو اطلع على أخطائه منهم ،ثم عمم هذا الخطأ أو تلك البدعة على عشرات الألوف أو الملايين من الناس
وما علم المسكين أنه سوف يقف معهم يوم القيامة يطالبون بحقوقهم،لما رماهم بما ليس فيهم:فإن قال فلان فيه كذا ،وهو من بلدكم أو من جماعتكم ،أو من أهل مذهبكم ،قالوا له :أما سمعت قول الله :{ وَلاَ تَزِرُوا وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام :164]
فما هو فاعل يا ترى حين يكون الحق عليه لملايين من الناس ،وكل يطالب بحقه ،وما الذي سيقوم بحقهم من الحسنات ؟
وإليك أمثلة من إحسان الظن بالمخالف وردت على ألسنة وأقلام أئمة الهدى :
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ((لو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة،ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعون في أشياء لا يقصدان إلا الخير ))
وقال أيضاً : ((وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء ،كما أنه ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل، فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطؤوا ))
وقال رحمه الله : (فلما سمع طائفة من علماء الكوفة أن من السلف من شرب النبيذ ظنوا أنهم شربوا المسكر،فقال طائفة منهم:الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وشريك وابن أبو ليلى وغيرهم :يحل ذلك0
وهم في ذلك مجتهدون قاصدون للحق،وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران،وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ))
فأنت ترى هذا الكلام العجيب من هذا الإمام العظيم الذي يؤكد فيه على حقوق من يخالفه من المسلمين ،وحماية أعراضهم ،وإحسان الظن بهم ،وعدم إهدار حقوقهم بسبب الاختلاف معهم ،إذ الأصل فيهم أنهم باحثون عن الحق ،وأنت تريد هدايتهم له ،فإن جرحتهم ونلت منهم وأسأت الظن بهم فقد قضيت على محاولة هدايتهم من أول الطريق0
عن عمر رضي الله عنه :أن رجلاً كان يلقب حماراً،وكان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أحياناً،وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشرب فأتي به يوماً فأمر به فجلد،فقال رجل من القوم ،اللهم العنه،ما أكثر ما يؤتى به،فقال صلى الله عليه وسلم : (لا تلعنوه،فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله)) (4)
وهذا غاية العدل والإنصاف ،يقام الحد ولكن لا يطعن ولا يجرح بل يحسن به الظن 0
وقد حدد الشرع المواطن التي تجوز فيه الغيبة ،ولا يجوز اغتياب المسلم فيما عدا تلك المواطن ،ولكن البعض يقيم سوقاً للجرح والتعديل ،حيث لا حاجة إليها ،والناس كانوا لا يقدمون على الجرح إلا عند الضرورة من أجل الرواية وحفظ السنة0
4- التزام الحوار بالتي هي أحسن والبعد عن المراء واللدد والخصومة:
حيث جعل الله للحوار وللجدل ضوابط وآداباً يجب الالتزام بها حيت يؤتي الحوار ثمرته 0
وإنك لتعجب حين ترى حال كثير من المسلمين في حوارهم مع إخوانهم وأنت تتلو قوله تعالى:
{وَلاَ تُجَادِلُوا أهلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِىَ أَحسَن}[العنكبوت:46] ،
وقوله تعالى :{ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِىَ أَحسَن}[النحل :125]0
بل إنك لتذهل حين ترى البون الواسع بين الواقع الذي نعيشه وبين أدب القرآن وهو يتنزل مسترعياً سمع الخصم المحاور فيحاوره ويسمع قوله ،
قال تعالى :{ وَإنَّآ أوْ إيَّاكُم لَعَلَى هَدًى أو فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (24) قُل لاَّ تُسْئَلُونَ عَمَّآ أجْرَمنَا وَلاَ نُسأَلُ عَمَّا تَعمَلُونَ}[سبأ:24-25]،
فيفهم منه المؤمن أن يقول للآخرين ليستجلب ودهم حتى يسمع الحق الذي عنده :نحن أو أنتم أحدنا مخطئ والآخر مصيب ،فتعالوا حتى نبحث،ونرى أين الحق فنتبعه 0
كل هذا بعيداً عن الشدة والعبارات الجارحة والأساليب المنفرة0
وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يعود من غزوة بدر فيقول أحد شبان الصحابة
إن لقينا إلى عجائز صلعاً كالبدن المعلقة فنحرناها ،فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : (( أي ابن أخي ،أولئك الملأ))
وهذا غاية الإنصاف والعدل والاحترام للعدو حتى وإن كانت أسيافنا تقطر من دمه0
بل تأمل صفات دعاة الحق في نبي من الأنبياء حين كان يضربونه حتى شجّوا وجهه وأسالوا دمه
وهو يقول : ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ))
الفهد البرونزى
19-07-2006, 04:29 PM
وقد ألّف علماؤنا كثيراً في آداب البحث والمناظرة ،ووضعوا لذلك من الضوابط العقدية والخلقية والعلمية ما يسدّ الباب أمام أي محاولة للشطط والبعد عن طلب الحق ،والإساءة إلى أخوة الإيمان 0
وإن الغلظة مع المخالفين والقسوة عليهم من عادات أهل البدع كالخوارج والمعتزلة ،بعكس أهل السنة الذين كانوا يعرفون الحق ويرحمون الخلق كما قال شيخ الإسلام رحمه الله 0
والداعية الحق هو الذي ينتصر لدعوته لا لشخصه ،فإن كان جلفاً قاسياً غليظاً فقد انتصر لشخصه،لا لدعوته ، ولن يكون داعية أحرص من موسى ولا مدعواً أسوء من فرعون ،وقد أمر الله موسى أن يقول لفرعون قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى0
وهذا ابن السماك أحد علماء السلف يختلف مع أحد إخوانه في مسألة من المسائل فيغلظ له أخوه،وعند افتراقهم يقول له :غداً نتعاتب ،فيقول ابن السماك :غداً نتغافر.
وهكذا تستل سخائم النفوس ،وذلل جامحها ،ويسهل نافرها ،حتى تقبل الحق ،وكم من كلمة نابية جافية تصدر في حالة غضب من شخص أحمق نزق فتكسر القلوب وتمزق الصفوف ،وتبقى آثارها سنين طوالاً،أو أجيالاً متعاقبة،وصاحبها يجني آثامها .
5- الابتعاد عن الجزئية في التعامل مع نصوص الشرع أو أقوال أهل العلم والدعوة :
للخروج بحكم صحيح عن قضية من القضايا لابد من جمع كل النصوص الشرعية الواردة في تلك القضية فيحمل العام على الخاص ،والمطلق على المقيد ،والمجمل على المبين ،والكناية على التصريح،والمنسوخ على الناسخ .
ولابد أن يكون الإنسان على دراية بقواعد الاستنباط،والتعامل مع نصوص الشرع في هذه الكيفيات المختلفة ،أما أن يأخذ الإنسان نصاً واحداً ويتعامل مع القضية ،فينظر من خلاله فقط،فهذا خلاف ما أمر الله ورسوله .
ولابد أيضاً من معرفة أسباب نزول الآيات ،ومعرفة أسباب ورود الحديث ،وكذلك معرفة أقوال أهل العلم في المسألة ،وإلا لزلّ حيث يظن أنه يحسن .
وكذلك أقوال الدعاة وأهل العلم ينبغي التعامل معها بهذه القواعد ،فقبل أن يحكم على هذا العالم ،أو ذلك الداعية بأن يقول في قضية كذا بكذا وكذا لابد أن يجمع جميع أقواله وكتاباته في هذا الأمر ،فيحمل العام على الخاص ،والمطلق على المقيد ،والمجمل والمبين من كلامه ،ويعرف المتأخر من المتقدم،فلا ينسب إليه ما ليس له من قول ورأي.
ويحسن به الظن ما أمكن ذلك ،فقد يكون للعالم أكثر من قول
ومن الظلم نسبة أحد هذه الأقوال إليه دون غيره من الأقوال ،قبل التمحيص والتدقيق والبحث والاستقصاء وتحري العدل والإنصاف ،ولا يفعل كما فعل أهل السوء الذين إن وجدوا خيراً كتموه ،وإن وجدوا سراً أذاعوه ،فهم من الذين يحبون أن يشيع السوء في الذين آمنوا .
وخذ مثلاً الإمام الشافعي له مذهبان :قديم وجديد .وكان الإمام أحمد في بعض المسائل ست روايات ،لا يعقل أنه يقول بها جميعاً في وقت واحد ،ولا يعقل أن أنسب إليه قولا منها بالهوى والتشهي
بل لابد من ميزان عدل وقسط.
وكما يطبق هذا مع الأفراد فكذلك نطبِّقه على الفرق والمذاهب والجماعات.
فلا يجوز شرعاً أن أنسب إلى مذهب أو فرقة أو جماعة قولاً من الأقوال لأن عالماً أو كبيراً من هذا المذهب أو تلك الطائفة قال بهذا القول ،بل مع الأسف الشديد كثيراً ما ينسب أمر إلى طائفة من الناس لأن شخصاً منتسباً إلى تلك الطائفة أشيع عنه هذا القول ،دون أن يثبت عنه ذلك ،فكيف بنسبته إلى غيره ؟
فمثلاً ينسب إلى الشافعية قول ،أو إلى المعتزلة رأي ،أو إلى جماعة التبليغ أمر ،لأن أحد أفراد الشافعية أو المعتزلة أو جماعة التبليغ قال بذلك ـوكان العدل والإنصاف يقضي بأن نتأكد بأن المنتسبين إلى المذهب أو الطائفة يقولون بهذا ،خاصة إن كان مثلبة
،وإلا لكانت شهادة على الناس بما لم يقولوه ،وظلماً لهم بما لم يفعلوه ،وكذباً وافتراء .
ولا أعلم كيف يتحرج بعضهم من الشهادة على فردفي أمر من الدنيا حقير ويشهد على عشرات الآلاف في أمر من الدين خطير بما لم يقولوه. ولا حول ولا قوة إلا بالله .
إذن فمن ضرورة التعامل مع قضايا الخلاف أن ينظر الإنسان للمسألة نظرة كاملة شاملة من حيث النصوص الواردة فيها ،ومن جهة أقوال أهل العلم فيها ،ومن جهة جمع أقوال العالم أو المذهب أو الجماعة ،ليكون الحكم بعد ذلك صواباً ،أو قريباً منه ،بإذن الله .
6-التفريق بين مواضع الإجماع ومواضع الخلاف ، والتفريق من جانب آخر بين مواطن الخلاف السائغ والخلاف الذي لا يسوغ ولا يجوز :
فأما مواطن الإجماع فقد تجاوزت القيل والقال ،والبحث والسؤال ،وأصبح الالتزام بها معلوماً من الدين بالضرورة ،مثل قطعي الكتاب والسنة .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : (نعم ،من خالف الكتاب المستبين،أو السنة المستفيضة ،أو ما أجمع عليه سلف الأمة ،يعامل بما يعامل به أهل البدع ))
أما المسائل التي وقع الخلاف فيها قديماً وهو خلاف سائغ ،أو كانت من المسائل الحادثة والخلاف معها منذ حدثت ،فالأمر فيها سعة والمختلفون فيه بين صاحب أجر وصاحب أجرين بإذن الله .
وليس الأمر على ما يظن بعض الناس الذين بمجرد اختلافهم مع الآخرين ،ينبزونهم بمخالفة السلف وأهل السنة والفرقة الناجية،بل من خالفه مبتدع ضال ،فهو الحق ،والحق هو ،ولا حق وراء ذلك.
إن الذين ألّفوا في الحسبة من علماء المسلمين ذكروا أن من الشروط إنكار المحتسب أن لا يكون ما ينكره من
ينقض حكم من سبقه باجتهاده إلا أن يكون القاضي السابق خالف نصاً شرعياً،أو إجماعاً مخالفة بينة.
وعلى هذا فينبغي على من اختلف مع غيره خلافاً قائماً على اجتهاد صحيح أن يعذرهم فيما خالفوا فيه ،وألا يثرب عليه،وأن يدعوا لهم بظهر الغيب وألا يقع في أعراضهم،وألا يعامل المخالفين معاملة واحدة ، بل يفرق بين من خالفوا في أمر قطعي ،أو معلوم من الدين بالضرورة ،أو مجمع عليه ،وبين من خالفوا فيما عدا ذلك.وأن يفرق بين من خالفهم في الأصول والكليات ،وبين من خالفهم في الفروع والجزئيات ،وحينئذ يحفظ للدين حرمته،ويحفظ للناس حقوقهم .
7_ اعتبار المآلات والنظر في المقاصد:
ذلك أن من طلب الحق فأخطأه ليس كمن تعمد الباطل فأصابه .
ولذلك جعل الله للقاضي الذي تأهل للحكم،واستفرغ الوسع لإصابة الحق أجراً،حتى وإن أخطأ ،وما ذلك إلا لبذله جهده،وحسن نيته ، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها .
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ((إنما الأعمال بالنيات )) (1)
وكم رتب الله على القصد والإرادة من الآثار،ذلك أن من حسن قصده ليس كمن ساء قصده وخبث.
ولعل قصة الرجل الذي أسرف على نفسه فأمر إذا مات أن يحرق جسده،ويسحق،ويذرى في البحر ،عظة وعبرة،فقد غفر الله له ذنوبه بسبب حسن قصده،وهو خوفه من الله سبحانه وتعالى (2).
ولذلك رتب الفقهاء كثيراً من الأحكام على المراد منها،وقالوا القاعدة الفقهية الشهيرة:الأمور بمقاصدها .
لهذا الاعتبار لا يمكن شرعاً ولا عقلاً أن نساوي في الأحكام بين من حسن قصده،وبذل الجهد في نصرة الدين ،والعمل له وبه ،وبين من خبث قصده ،وساء غرضه،وقد فرق الله بين المتفرقات ، وجعل الحكم واحداً للمتماثلات .وكم من الأحكام الفقيهة التي تتغير بغير النية فقط
فالعاقل المنصف من راعى هذا الأمر عند بحثه في مسائل العلم ،وعلم أن الأصل في المسلم الخير،واجتنب اتهام النيات ،والحكم على ما خفي من المقاصد والغايات ،وبذل جهده لبلوغ الحق والنصح لكل مسلم ،
وقد قال تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام:{إنْ أُرِيدُ ألاَ الإصْلاَحَ مَا استَطَعتُ وَمَا تَوفِيقِي إلاَّ بِاللهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وإلَيهِ أُنِيبُ} [هود:88]،فإذا كان أحد رسل الله عليهم الصلاة والسلام يبين مراده الإصلاح ويعلق ذلك على استطاعته،فكيف بغيره!
وكذلك مآلات الأفعال أمر معتبر في الشرع،فكم من أمر إذا نظرت إليه بذاته فقط رأيته مردوداً،ولكن إذا تأملت عواقبه ومآلاته وما يترتب عليه علمت أنه مشروع لغيره ،لا لذاته،كما فعل صاحب موسى في السفينة التي خرقها،ففعل فعلاً لا يجوز في ظاهره،مما جعل موسى يعترض عليه ،ولكن العبد الصالح فعل هذا الأمر المحظور في ظاهره لأنه يؤول إلا أمر مشروع ممدوح وهو حفظ السفينة.
وكذلك من الأمور ما لا يقر بذاته،ولكن لما يترتب على إنكاره من المآلات والمفاسد ،فإنه يحتمل ويصبر عليه،وهذا شرط من شروط صحة إنكار المنكر .وكثيراً ما يخفى هذا الملحظ على بعض الدعاة ،فينظر الأمر بذاته دون أن يراعي ويلاحظ عواقبه،وما يترتب عليه ،وهذا من قلة الفقه في الدين ،ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ومن هذا ما ورد به الشرع من عدم الخروج على الولاة الفسقة العصاة ما لم يكن كفراً بواحاً،لا إقراراً بفسقهم ،ولكن يكتفي بالإنكار عليهم،مع عدم الخروج ،لما يترتب على ذلك من مفاسد سفك الدماء ،والإخلال بالأمن ،وذهاب الريح،والاختلاف والتفرق .
ولذلك يجب مراعاة الأمر باستمرار،أي اعتبار مآلات الأفعال والأقوال وبناء الأحكام عليه.
8_ مراعاة عوارض الجهل والإكراه والتأويل أحياناً:[/COLOR
]لأن هذه الأمور لهل اعتبارها في الشرع عند بناء الأحكام ،قال تعالى:{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِين حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاَ}[ الإسراء :15]،فبسبب جهل الأمم،وعدم بلوغ الرسالة لهم ،وقيام الحجة عليهم ،أجارهم الله من العذاب ،حتى تبلغ الرسالة،فيهلك من هلك عن بيّنة ويحي من حي عن بينة.
وبسبب مراعاة عارض الجهل ،كان لأهل الفترة حكم خاص ،ويكون للأقوام الذين في آخر الزمن ،وقد درس الدين ،وفشا الجهل،وذهب العلم أيضاً ،حكم خاص،حتى أن بعضهم لا يبقى له من الدين إلا لا إله إلا الله ،ومع ذلك ينجيهم الله بها،كما ورد في الحديث
،وكذلك كان المسلمون قبل قتالهم للأمم يدعونهم للإسلام ،ويبينون لهم ما يحتاج إلى بيان،فإن استجابوا ،وإلا كان القتال ،ولا يكتفون بما اشتهر بين الناس من أمر هذا الدين .
وكم من مشهور دفعت به الأقدار ليكون رأساً في قوم ، مع حماس للدين ،وإخلاص لله ،ولكنه يجهل كثيراً من أحكام الشرع ،فتصدر له كثير من المخالفات، لا بسوء قصد ،وإصرار على المخالفة ،لكن لجهله بهذه الأمور فيجب التلطف معه،ومراعاة جهله ،والسعي لرفع الجهل ، ودعوته بالحسنى إلى الحق،وخاصة إذا كانت عوامل الرياسة والزعامة قد فعلت في نفسه فعلها .
ولئن لم يكن عارض الجهل قائماً في حق المتبوعين ،أفتقطع بأنه أيضاً كذلك في حق الأتباع عندما تصدر حكمك عليهم جميعاً ؟
أما الإكراه فقد أجاز الله لمن يقع في تحت طائلته أن ينطق كلمة الكفر ،ولذلك اعتبره أهل العلم من عوارض الأهلية .وما قد يكون إكراهاً في حق شخص قد لا يكون إكراهاً في حق آخر .
وكم من المواقف والأقوال التي تنسب لبعض أهل العلم والدعوة وتصدر منهم ،وهم في ظروف غير طبيعية،يعيشون في خوف وقلق وتهديد،ثم يأتي آخرون من إخوانهم فيحاسبونهم على هذه الأقوال والأعمال ،دون مراعاة للظروف التي صدرت فيها ،أو وقعت من خلالها .
وربما لو كان هؤلاء الناقدون عاشوا تلك الظروف لصدر منهم ما هو أسوأ من تلك الأقوال والأفعال ،ولو ارعوى قيلاً لعذر إخوانه ،وسأل الله لهم المغفرة .
بل قد يكون هذا الشخص نفسه هو حامل لواء الاعتذار لأعداء الدين من عَلمانيين وشيوعيين وطواغيت ،يسوق المبررات ،ويبحث عن الأعذار لكل عمل يصدر منهم ضد الدين وأهله، مما لا يحتمل عذراً،وليس له تأويل ،وليته يتعامل مع إخوانه بهذا الأسلوب .
أما التأويل وكونه عذراً في كثير من الأحيان ، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى : ((وكل من كان باغياً أو ظالماً أو معتدياً أو مرتكب ما هو ذنب فهو قسمان :متأول وغير متأول ، فالمتأول المجتهد كأهل العلم والدين الذين اجتهدوا واعتقد بعضهم حل أمور،واعتقد الأخر تحريمها ،كما استحل بعضهم أنواع الأشربة،وبعضهم بعض المعاملات الربوية، وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة،وأمثال ذلك فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف ،فهؤلاء المتأملون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون ،وقد قال الله تعالى: {رَبَّنا لاَ تُؤَاخِذنا إن نَّسِينَا أَو أَخْطَأْنَا} ،وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء … أما إذا كان الباغي مجتهداً متأولاً،ولم يتبين أنه باغ بل اعتقد أنه على الحق ،وإن كان مخطئاً في اعتقاده لم تكن تسميته باغياً موجبة لإثمه،فضلاً عن أن توجب فسقه ))
[COLOR="red"]وبسبب التأويل فرق الفقهاء في الأحكام بين البغاة الذين يرفعون السلاح لتأويل يجب على الإمام أن يكشف شبهتهم ،وأن يرفع مظلمتهم ،وألاّ يجهز على جريحهم ،ولا يقتل أسيرهم ،ولا يتبع مدبرهم ،وألا يعاقبوا إذا قدر عليهم ، أما المحاربون الذين يخرجون لا لتأويل ،فإذا قدر عليهم أقيم عليهم حد الحرابة الوارد في القرآن الكريم .
وإذ كان صاحب القول من أهل العلم والاجتهاد ،وله تأويل في قوله ،ولا يعلم منه خبث قصد ولا سوء نية ،فالواجب مراعاة هذا الأمر له ،مع عدم قبول الباطل الذي صدر منه ،لكن فرق بين الموقف من القول والموقف من القائل،وهو الأمر الذي يشكل كثير من الناس ،وبسببه يقع التدابر والتباغض والشحناء والتفرق وفساد ذات البين.
ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين ،وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
Powered by vBulletin™ Version 4.0.3 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir